يحظى مئات الأطباء من غزة بتدريب سريري في لبنان وتركيا عبر برنامج "استعادة الرعاية" الذي أطلقه صندوق غسان أبو ستة للأطفال وشركاؤه في بيروت، سعياً لمواجهة الإبادة الإسرائيلية للقطاع الصحي الفلسطيني.
يشكّل برنامج "استعادة الرعاية" لدعم التدريب السريري لما بعد التخرج للأطباء الفلسطينيين من غزة بارقة أمل تتصدّى لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة لتدمير المنظومة الصحية في القطاع، إذ يتيح فرص تدريب في اختصاصات ذات أولوية عبر دعم متعدّد السنوات في كلّ من لبنان وتركيا. وبدأ ثلاثة أطباء مقيمين تدريبهم في طب الطوارئ والطب النفسي في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت والمركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية - مستشفى رزق.
ويستهدف البرنامج دعم ما يصل إلى 15 طبيباً مقيماً خلال خمس سنوات. وفي تركيا، تقضي الخطة بدعم ما يصل إلى 500 طبيب مقيم خلال خمس سنوات، بدءاً بجولة أولى من 186 مقعداً اتُّفق عليها مع الحكومة التركية. ويوفّر المسار ما بين 50 و60 مقعداً سنوياً للأطباء الموجودين داخل غزة.
وأطلق البرنامج التدريبي في بيروت، أمس الجمعة، بمبادرة مشتركة بين صندوق غسان أبو ستة للأطفال، وكرسي طب النزاعات في الجامعة الأميركية في بيروت، ومشروع "يوليب" (جمعية توحيد شبيبة لبنان)، خلال مؤتمر صحافي عُقد في "دار نمر"، بعنوان "استعادة الرعاية: في مواجهة المحو الإسرائيلي للكوادر الطبية الفلسطينية". وينفذ المسار التركي بالتعاون مع مجلس التعليم العالي التركي، وبتمويل منه.
وقال الطبيب الفلسطيني ــ البريطاني غسان أبو ستة خلال المؤتمر الصحافي إن "هذا البرنامج لجيل الأطباء الذين تحاول إسرائيل محوه في غزة. كلّما يُقتل طبيب فلسطيني تخسر غزة سنوات من التدريب والخبرة، وعقوداً من الرعاية التي كان يمكن أن يقدّمها، وعبر هذا البرنامج نواجه محاولة المحو، ونعمل على ضمان استمرار المعرفة الطبية، وانتقالها إلى الأجيال المقبلة، بعد 1700 شهيد من القطاع الصحي. الأعداد مهولة، وهي دليل على إبادة جيل من القطاع الصحي بوصفه جزءاً أساسياً من حرب الإبادة والتطهير العرقي".
وتطرق أبو ستة إلى أبرز التخصصات الطبية التي أُبيدت في قطاع غزة، ومن بينها علم الأنسجة، وطب الطوارئ، والطب النفسي، وجزء كبير من تخصص الأشعة، وكذلك ترميم الأطراف، وقال لـ"العربي الجديد" على هامش المؤتمر: "هناك 100 ألف جريح لم يبقَ لمعالجتهم سوى طبيبَين متخصّصَين. نعلم أنّ إعداد المتخصّصين وتدريبهم يتطلّب وقتاً طويلاً، لذلك كان من الضروري أن نبدأ. سوف يحصل الأطباء المشاركون في البرنامج في تركيا على البورد التركي، ويحصل أولئك في لبنان على شهادة من الجامعة التي يتخصّصون فيها، ونتفاوض حالياً مع جنوب أفريقيا لإتاحة المجال أمام تخصص عدد من أطباء غزة في جامعاتها".
وأكد أبو ستة أن "تعويض تدمير المستشفيات يحتاج إلى سنتين تقريباً، بينما الأجهزة تُعوّض خلال أشهر، أما إعادة تأهيل القدرات البشرية فتحتاج إلى ما بين خمس وسبع سنوات، وفي بعض التخصصات إلى 12 سنة. هؤلاء الأطباء عدد منهم كان يدرس الطب خارج فلسطين عندما بدأت الحرب، وعدد منهم ترك غزة وسافر إلى أوروبا بمنح ماجستير، وبات غير قادر على مواصلة تخصصه بسبب تغيّر القوانين في الدول الأوروبية، فيما يستهدف البرنامج ما بين 50 و60 طبيباً من داخل قطاع غزة، وسيتم تنسيق ذلك بالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية. هذه النقلة النوعية ستخلق جيلاً من المتخصّصين الذين سيبنون القطاع الصحي في مرحلة ما بعد الإبادة".
وأشار أبو ستة إلى أن "الأمل هو أساس فكرة البرنامج، من منطلق أن سياسة الأرض المحروقة تتضمن تدمير القطاع الصحي، وقتل الأطباء واعتقالهم. وكلّ هذا البرنامج يهدف إلى إيفاء ما علينا من ديون تجاه شهداء القطاع الصحي الذين قُتلوا أو عُذّبوا حتى الموت في أقبية السجون الإسرائيلية. كما أنّه جزء من رفض سياسة الاستعمار الصهيوني الذي يحاول بثّ اليأس في نفوس الغزّيين، ولكن كلّنا إيمان بحتمية انتصارنا، وبأنّنا نزرع اليوم بذوراً لمستقبل القطاع الصحي في فلسطين".
