في الوقت الذي ينشغل فيه الإسرائيليون بالانتخابات ونتائجها، لكنهم ما زالوا يستحضرون الهجوم الفدائي الأخير بمدينة الخليل الذي قُتل فيه جنديان، وما قام به الجيش والمستوطنون من عمليات عدوانية ضد الفلسطينيين، تضمنت إخلاء الأحياء، وهدم المباني، والإعلان عن توسيع المستوطنات، والتهديدات ضد السلطة الفلسطينية، وكلها إجراءات لا تكفل للاحتلال عدم تكرار العملية الفدائية.
الباحث في السياسات بمؤسسة التعاون الاقتصادي، ومحاضر الجغرافيا السياسية، وباحث بمنتدى الفكر الإقليمي، عيران تسيديكياهو، أكد أنه "باسم الأمن، تُروّج الحكومة الإسرائيلية لسياسة تُضعف إحدى أهم أدوات تحقيقه: حكومة فلسطينية فاعلة، قادرة على كبح جماح التنظيمات المسلحة، والتعاون في منع الهجمات، وقد وقع إطلاق النار عند نقطة تفتيش في منطقة فرش الهوى، عند المدخل الشمالي الغربي للخليل، قرب الطريق السريع 35، حيث قُتل المهاجمان، وقُتل جنديان، وأُصيب ثلاثة آخرون".
وأضاف تسيديكياهو في مقال نشره موقع "زمان إسرائيل"، أن "الجيش يُقدِّر أن المهاجمين سعوا لمواصلة الهجوم ضد المستوطنين، لكن فهم سياقاته يتطلب التعرف على الواقع الأمني السائد في الضفة الغربية، الذي يتكون من توسع المستوطنات، وعنف المستوطنين، وقيود حركة الفلسطينيين، وتضرر سبل عيشهم، وتشريد تجمعاتهم السكانية، وتآكل مؤسسات السلطة الفلسطينية".
ونقل عن "تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في سبتمبر/أيلول، أن أكثر من 1600 هجوم استيطاني أسفرت عن سقوط ضحايا فلسطينيين، وأضرار في ممتلكاتهم منذ بداية 2026 في أكثر من 275 تجمعاً سكنياً، كما نزح أكثر من 2600 فلسطيني في سياق عنف المستوطنين، وقيود الوصول، وأكثر من 1500 آخرين بعد عمليات هدم بسبب عدم وجود تراخيص بناء".
وأكد تسيديكياهو أن "هذه هي الظروف المعيشية التي يتطور فيها التصعيد الأمني، مع أن العلاقة بين هذه الظروف وتنامي العنف المسلح ليس مجرد فرضية، بل واقع حقيقي، وقد أظهرت دراسة لمنظمة "مواقع وبيانات النزاعات المسلحة" (ACLED) زيادةً بنحو 50% في العنف السياسي في الضفة الغربية بين أكتوبر 2022 وسبتمبر 2023".
وأوضح تسيديكياهو أن "أحد أسباب تصاعد العمليات المسلحة في الضفة الغربية ضد الجيش والمستوطنين يتمثل في ضعف السلطة الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين، والإجراءات الإسرائيلية القسرية، وكلها عوامل ساهمت في تجدد نشاط المجموعات المسلحة، لأنه عندما تعجز السلطة عن حماية الشعب الفلسطيني، فإنها تفقد شرعيتها، وهنا تملأ المنظمات المسلحة الفراغ الناتج".
وأضاف أنه "لا يُعد هذا تفسيراً حصرياً لكل هجوم، لكنه يوفر أساساً واضحاً لفهم العملية، ومن هنا ينبع فشل السياسة الإسرائيلية المتمثلة بإضعاف السلطة الفلسطينية لأنه يُقوّض القدرة على كبح العنف، ثم يُستخدم العنف كمبرر لمزيد من إضعافها، وهكذا دواليك، في حلقة مفرغة، أما البديل، فقد ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2023 أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية حدّت من قدرة حماس وغيرها من المنظمات على شنّ هجمات، بما في ذلك اعتقال عناصرها".
وأشار إلى أن "وثيقة المفهوم الأمني الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي 2025-2026، اعتبرت وجود سلطة فلسطينية مصلحة أمنية إسرائيلية، وأوصت بالحفاظ على التنسيق مع أجهزتها، وبالتالي، يُعدّ تعزيز قدرة الفلسطينيين على فرض النظام، وإحباط الهجمات سياسة أمنية قائمة على الخبرة المتراكمة، ولتحقيق هذه القدرة، يجب أن يتقاضى موظفو الأجهزة رواتبهم، وأن تعمل مؤسسات السلطة، وأن يكون لدى الرأي العام الفلسطيني سببٌ وجيهٌ للنظر إليها كجهة شرعية".
وأكد أن "تهديدات الساسة الإسرائيليين للرد على عملية الخليل، لا يقدم علاجا كافيا لهذه الهجمات، فقد زعم وزير الأمن يسرائيل كاتس إجلاء نحو 2000 فلسطيني من منازلهم، وربط عودتهم باستكمال التعامل مع حماس في المدينة، دون تحديد موعد، وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نقل نمط العمليات من المخيمات الشمالية للضفة إلى أحياء الخليل، مع إمكانية توسيعه ليشمل مدنًا أخرى".
تكشف هذه السطور الإسرائيلية عقم السياسة الأمنية الوحيدة لمواجهة العمليات الفدائية، دون إلحاقها بأداء سياسي ميداني، فقد أثبتت التجربة أن المقاومة لا تتراجع أمام القمع الاسرائيلي، بل قد تأخذ استراحة محارب، وسرعان ما تعود أقوى وأشد.
