16.77°القدس
16.47°رام الله
15.56°الخليل
21.57°غزة
16.77° القدس
رام الله16.47°
الخليل15.56°
غزة21.57°
الأربعاء 04 نوفمبر 2026
4.24جنيه إسترليني
4.46دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.54يورو
3.16دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.24
دينار أردني4.46
جنيه مصري0.06
يورو3.54
دولار أمريكي3.16

صدورٌ أضاءت عتمة الحرب..

"مصاحف الخيام" .. ثلاثة تيجان من نور فوق ركام غزة

غزة-فلسطين الآن

من قلب الخيام المتهالكة، وتحت سماء لا تكف عن تلاوة آيات الصبر، انبثقت من المحافظة الوسطى لقطاع غزة حكاية تفيض بالنور والكرامة؛ حكاية ثلاث زهرات غرسنَ جذورهنّ في يقين العقيدة، فأثمرت تيجان وقارٍ في زمن عزّ فيه الأمان.

عبق الشهادة وبوصلة الشمال..

في البدء، كانت "بيت لاهيا" عروس شمال القطاع والشاهدة على ضحكات الصبا هناك، نشأت الشقيقتان آية وإسراء زياد المصري في كنف والدٍ لم يكن مجرد أب، بل كان قائدًا ومعلمًا ملهِمًا، عندما ارتقى والدهما الشهيد القائد زياد حمدي المصري شهيدًا مقبلًا غير مدبر، لم يترك لهما إرثًا من حطام الدنيا، بل ترك في صدورهما وصية معلقة بالقرآن، وبوصلة لا تخطئ طريق السماء.
ومع اشتعال وطيس الحرب الضروس في عام 2023م، حزمت الشقيقتان معالم طفولتهما ونزحتا قسرًا نحو مدينة دير البلح، حيث لم تكن رحلة النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل كانت قطعة من الجحيم؛ غبار، وتعب، وفقد، لكن وسط ركام الطريق وبكاء الثكالى، كان في جعبة "آية وإسراء" شيء أثمن من المتاع.. كان هناك مصحف يُقرأ في عتمة الليل، ويُستلهم منه الدفء.

رفيقة الدرب ونور الوسطى..

وعلى الجانب الآخر من الألم، وفي تفاصيل ذات المخيم، كانت خطى الطالبة تالا عبدالرحمن زايد تتشابك مع قدر الشقيقتين. فلم تكن تالا بعيدة عن المعاناة، فكل قذيفة تسقط كانت تختبر ثباتها، وكل ليلة باردة كانت تزيدها إصرارًا. تلقت الفتيات الثلاث دعوة خفية من السماء: "أنِ ارفَعنَ المصاحف، فما دون كلام الله سراب".

تحولت الخيمة الضيقة في المحافظة الوسطى من مأوى للاجئين إلى محرابٍ علوي، في الصباح، ومع طوابير المياه الشحيحة وصوت الطائرات المنبعث في الأفق، كانت إسراء تراجع الجزء، وآية تثبّت الآية، وتالا ترتل القرآن بصوت متهدج يغالب البكاء والأنين، كان المسير شاقًا، فالجوع ينهش الأجساد، والنزوح يشتت الأذهان، لكن عيون الفتيات كانت شاخصة نحو "الختمة الشريفة".

عرش النور فوق الركام..

وجاء اليوم المشهود.. تلاقت السور والآيات في صدورهنّ، والتقت غاية "آية وإسراء" مع طموح "تالا"، وفي لحظة مهيبة امتزجت فيها دموع الفرح بدموع الشوق للراحلين، أتمّت الطالبات الثلاث حفظ كتاب الله كاملاً.

لم تكن قراءتهنّ للآية الأخيرة مجرد إنجاز أكاديمي، بل كانت صرخة حياة من تحت الرماد؛ إعلانًا صريحًا بأن غزة التي هُدمت مساجدها، أصبحت بيوتها وخيامها مساجد متنقلة في صدور أبنائها، فأهدت آية وإسراء هذا النصر لروح والدهما القائد، وكأنهما تقولان له: "يا أبتِ، لقد هدموا بيتنا، وقتلوا جسدك، لكننا اليوم نحمل النور الذي لا يموت".

وأهدت تالا ختمتها لبلد صابر، لتثبت أن الإعجاز القرآني يُولد من رحم المعاناة.

تيجان الوقار..

لقد تُوجت "آية، وإسراء، وتالا" بحفظ القرآن الكريم في زمن الحرب والنزوح، ليرسلنَ للعالم رسالة بالغة الأثر: إن المدافع قد تقتل البشر، وتهدم الحجر، لكنها أعجز من أن تنزع آية واحدة استقرت في قلب فتاة غزيّة آمنت بربها. هنّ لسن مجرد حافظات، بل هنّ تيجان الوقار التي تزيّن هامة المحافظة الوسطى، وفجر غزة القادم الذي لا بد أن يشرق.

 

المصدر: فلسطين الآن