لم تعد الرواتب في قطاع غزة موعدًا شهريًا تنتظره الأسر لتدبير احتياجاتها، بل تحولت إلى محطة متباعدة في رحلة طويلة من العجز المالي، قد تمتد لنحو ثلاثة أشهر، فيما لا تنتهي الالتزامات المعيشية بانتهاء الشهر، ولا تتوقف الأسواق عن مطالبة المواطنين بثمن احتياجاتهم.
وبين راتب يتأخر وآخر لا يكفي، يجد موظفو غزة أنفسهم أمام أزمة أشد تعقيدًا؛ فحتى الأموال التي تصل إليهم لا تعني بالضرورة قدرتهم على استخدامها، في ظل أزمة السيولة النقدية وصعوبة الحصول على الكاش، وما يرافقها من عمولات واقتطاعات أو مشكلات في قبول الأوراق النقدية المهترئة.
هكذا تتداخل أزمة الرواتب مع أزمة النقد، لتجد آلاف الأسر نفسها عالقة بين دخل متقطع واحتياجات متواصلة، في واقع تتآكل فيه القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة، والتي تضاعفت مع حرب الإبادة على قطاع غزة.
راتب مؤجل.. والتزامات لا تنتظر
وتشير تقارير صحفية إلى أن موظفي الحكومة في غزة يتلقون دفعات مالية محدودة، تصل في بعض الحالات إلى نحو ألف شيكل كل ثلاثة أو أربعة أشهر، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ولا تقتصر المشكلة على قيمة المبلغ، بل تتجاوزها إلى غياب انتظام الصرف، وهو ما يجعل الموظف عاجزًا عن ترتيب أولوياته أو الوفاء بالتزاماته في مواعيد محددة.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول الأيام الفاصلة بين دفعة مالية وأخرى إلى فترة من الاستدانة ومحاولات تدبير الاحتياجات الضرورية، فيما يصبح الراتب القادم مخصصًا في جزء كبير منه لتسديد ديون الراتب السابق.
رحلة البحث عن الكاش
لكن الأزمة لا تنتهي بمجرد وصول الدفعة المالية، إذ يواجه الموظفون تحديًا آخر يتمثل في صعوبة الحصول على السيولة النقدية أو تصريف الأموال المتاحة لديهم.
ففي ظل اختلال الدورة النقدية داخل القطاع، وتراجع قدرة النظام المصرفي على توفير النقد بصورة طبيعية، باتت عملية الحصول على الكاش أو تحويل الأرصدة الإلكترونية إلى أموال قابلة للاستخدام اليومي إحدى أكثر المشكلات التي تواجه المواطنين.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن أزمة النقد في غزة تجاوزت شح السيولة إلى صعوبات تتعلق بتداول الأوراق النقدية نفسها، حيث يرفض بعض التجار قبول العملات المهترئة، أو يفرضون اقتطاعات عند التعامل بها، الأمر الذي يضع المواطنين أمام خسائر إضافية.
ووفق تقرير نشر في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فإن أزمة السيولة النقدية في القطاع باتت ترتبط أيضًا بتكدس الأموال خارج التداول اليومي، وصعوبة انتقالها بين مختلف أطراف السوق، بما يحد من قدرة المواطنين وصغار التجار على الاستفادة منها.
أسر تعيش على الانتظار
أمام هذا الواقع، يجد كثير من الموظفين أنفسهم مضطرين إلى الاعتماد على الاستدانة من المحال التجارية أو الأقارب، لتوفير الغذاء والاحتياجات الأساسية خلال فترات انقطاع الدخل.
وتتراكم الالتزامات المالية تدريجيًا، لتصبح الدفعة التي تصل بعد أشهر مجرد محاولة لتخفيف جزء من الأعباء، لا فرصة لاستعادة الاستقرار المعيشي.
ويبرز هنا جانب اجتماعي بالغ التأثير؛ إذ لا تطال الأزمة الموظف وحده، بل تمتد إلى أفراد أسرته، الذين يعيشون بدورهم حالة من عدم اليقين بشأن القدرة على توفير احتياجاتهم، ويضطرون إلى تأجيل كثير من متطلبات الحياة أو الاستغناء عنها.
وتحذر نقابة الموظفين في القطاع العام بغزة من تداعيات استمرار تأخر صرف الدفعات المالية، مشيرة إلى أن آلاف الموظفين وأسرهم يواجهون ظروفًا معيشية صعبة، في ظل ارتفاع الأسعار والاحتياجات الإنسانية المتزايدة، ومطالبة بانتظام الصرف وتوفير عملات ورقية صالحة للتداول.
في غزة، لم يعد السؤال بالنسبة لكثير من الموظفين متى يصل الراتب فحسب، بل كم سيبقى منه بعد تسديد الديون، وكم سيخسرون في رحلة الحصول على النقد، وما الذي يمكن أن يوفره المبلغ المتبقي لأسرهم في ظل ارتفاع الأسعار وتعدد الاحتياجات. وبين انتظار يمتد لنحو مئة يوم، وسيولة يصعب الوصول إليها أو تصريفها، تتواصل معاناة الموظفين الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة لا تمنحهم فرصة لتوفير احتياجاتهم.
