لم يكد المواطن الفلسطيني في قطاع غزة يلملم جراحه من فصول "معركة الطحين" القاسية، التي طارد فيها رغيف الخبز وسكب دمه على عتبات شاحنات المساعدات الشحيحة لإطعام أطفاله الجوعى، حتى باغتته جبهات الشتاء الشرسة لتدخله مجبراً في "معركة الطين"؛ معركة لا سقف يحمي فيها الجسد، ولا شادر يمنع تسلل السيول الجارفة التي أغرقت الخيام وحولتها إلى مقابر مائية عائمة على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
ومع تعمق المنخفض الجوي الذي يضرب البلاد وتمركزه شرق جزيرة قبرص، تلاقت الجغرافيا المحطمة مع غضب الطبيعة وسياسات الاحتلال الصهيوني الممنهجة لإنتاج كارثة إنسانية غير مسبوقة؛ فبين طحين أبيض شحّ حتى كاد يجوع بسببه مئات الآلاف، وطين أسود انهمر بغزارة حتى أغرق غزة ومخيماتها، يجد الغزيون أنفسهم اليوم السبت في مواجهة مفتوحة مع "الموت البارد" بعد تدمير خيامهم ومراكز إيوائهم من شمال القطاع الصامد إلى جنوبه المحاصر.
جغرافيا الوجع..
تحولت "معركة اللقمة" إلى "معركة السقف"؛ ففي مختلف محافظات قطاع غزة، تتبدل أولويات العائلات النازحة من البحث عن كسرة خبز تسد رمق الأطفال إلى البحث العبثي عن وسيلة لانتشال الأغطية والفرشات الغارقة من تحت أكوام الطين التي اقتحمت خيامهم.
ورصد مراسلو وكالة "فلسطين الآن" في الميدان مشاهد مأساوية تعيد صياغة المعاناة؛ ففي جباليا وبيت لاهيا شمالي القطاع، حيث الدمار الكبير بفعل تدمير البنية التحتية وغزارة الأمطار، ليفترش الأطفال الأرض المبتلة ويلتحفوا السماء بلا غطاء.
وفي غزة، وتحديداً في منطقة الميناء غرب المدينة، اقتحمت مياه الأمطار والرياح العاتية خيام النازحين المتهالكة، مجبرة مئات العائلات على الفرار ليلاً وسط الظلام الدامس والبرد القارس للبحث عن زاوية جافة وسط ركام البيوت المدمرة.
أما في المحافظة الوسطى، وتحديداً في دير البلح وشمال مخيم النصيرات، فقد جرفت السيول الطينية عشرات الخيام المصنوعة من النايلون والقمش المهترئ، لتتحول شوارع المأوى إلى مستنقعات مائية عادمة حاصرت المواطنين وشلت قدرتهم على الحركة.
ولم تكن منطقة "مواصي" خان يونس جنوباً بمنأى عن هذه المأساة، حيث اقتلعت الرياح القوية مئات الخيام الرملية المنخفضة، تاركة آلاف الأطفال والنساء في العراء التام يواجهون غرقاً حتمياً وفقداناً كاملاً للأمتعة والملابس.
أسلحة الاحتلال الصامتة..
إن الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة اليوم السبت 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ليست مجرد حدث مناخي عابر، بل هي امتداد مباشر للعدوان الصهيوني وحرب الإبادة الجماعية؛ حيث تعمدت طائرات وجرافات الاحتلال على مدار الأشهر الماضية تدمير شبكات الصرف الصحي، ومحطات ضخ المياه العادمة، وقنوات تصريف مياه الأمطار في كافة المحافظات بشكل كامل وممنهج، مما جعل الشوارع والساحات تفيض مع أولى زخات المطر وتحولها إلى برك موحلة.
ويبرز سلاح "الحصار والتجويع والمنع" جلياً في مواصلة سلطات الاحتلال حظر إدخال الخيام الشتوية الحديثة، والشوادر البلاستيكية العازلة (النايلون)، والأغطية، والملابس الثقيلة عبر المعابر التجارية، مما يترك العائلات مكشوفة تماماً أمام الرياح والأمطار، ويدخل الطين عنوة إلى مأواهم، وأجسادهم، وأواعبهم، بل وإلى أبسط تطلعاتهم في البقاء على قيد الحياة.
نداءات استغاثة في مهب الريح..
أمام هذا الواقع الكارثي، أعلنت طواقم الدفاع المدني، والبلديات، واللجان المحلية في قطاع غزة عن عجزها الميكانيكي والفني التام عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ جراء النقص الحاد والمنع الصهيوني لدخول الوقود اللازم لتشغيل مضخات سحب المياه، وتدمير معظم المركبات والآليات الثقيلة بفعل الاستهداف الصهيوني المباشر أثناء تأدية واجبها الإنساني.
وأطلقت الطواقم الإغاثية نداءات استغاثة عاجلة ومكررة للمنظمات الدولية والمؤسسات الأممية المعنية للتدخل العاجل وفتح المعابر وإدخال وسائل الإيواء، محذرة من انتشار متسارع ومخيف للأوبئة والأمراض الجلدية والمعوية بين الأطفال والنساء نتيجة اختلاط مياه الأمطار العذبة بمياه الصرف الصحي الراكدة والنفايات المتكدسة بين أزقة المخيمات الغارقة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الفلسطيني الموت غرقاً وبرداً، تشن حركة حماس هجوماً سياسياً عنيفاً على الجهات الدولية وما يعرف بـ "مجلس السلام" وممثله نيكولاي ملادينوف، متهمة إياهم بالتواطؤ والصمت المريب تجاه جريمة الحصار، واستغلال سلاح الغرق والتجويع لتمرير مخططات سياسية مشبوهة كـ "خطة ترامب" بغزة وابتزاز الحاضنة الشعبية للمقاومة، في ظل انشغال الأطراف الصهيونية بالترتيبات الجارية لتكليف أحد المرشحين الصهاينة بتشكيل حكومة الاحتلال القادمة الأحد المقبل.
إن غزة اليوم، وهي تنتقل من معركة الطحين واللقمة إلى معركة الطين والسقف، تثبت للعالم بصمودها وثباتها الأسطوري أن كل أدوات القتل الصهيونية -سواء بالقذائف أو بالطقس البارد- لن تفلح في اقتلاع شعب يفترش الطين دفاعاً عن حقه التاريخي والوطني في الحرية والعودة، تاركة عاراً أبدياً يلاحق كل من صمت أو شارك في حصارها.
