قال الكاتب إسرائيلي يهودا شوخات، إن المظاهرات العارمة التي تشهدها "إسرائيل" في الأيام الأخيرة مع اليهود من ذوي الأصول الأثيوبية، وقبلها الاحتجاجات التي يقوم بها اليهود الحريديم، وقبلهما الاعتداءات التي يتعرض لها العرب من الشرطة الإسرائيلية، كل ذلك يفرز أمامنا حالة من التفكك الاجتماعي والتفسخ الداخلي في "إسرائيل"، ويبدو أن هناك من يكسب من ذلك.
ولفت شوخات في مقال له بصحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، إلى أن "شوارع تل أبيب" في الأيام الأخيرة شهدت ازدحاما مروريا بفعل مظاهرات اليهود الأثيوبيين، حتى أن أحد أفراد الشرطة كتب في مجموعة واتس أب داخلية عبارة مثيرة يصف فيها المتظاهرين بقوله: "ما زالوا يظنون أنفسهم في أفريقيا، ومن الأفضل أن يعودوا إليها"، فيما قام سائق يهودي آخر بدعس أحد المتظاهرين، وامتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بعبارات: ادعسوهم، فقط يفهمون بهذه الطريقة.
وأكد أنه قبل أسبوع فقط شهد سوق محنيه يهودا في القدس موقفا مماثلا: سيدة تلبس ملابس المتدينين، تعاني من أوجاع في جسدها، وطلبت المساعدة من أحد السائقين، الذي لم يستجب لها، بل أخرج أصابعه بصورة بذيئة، وقال: أساعد عربية؟ فلتمت، لأنها غدا ستنجب المزيد من المخربين.
وأشار إلى أنه قبل أيام من هذين الحدثين انتشر شريط فيديو يظهر فيه شاب يهودي حريدي متدين تعرض لضربات متلاحقة من أفراد الشرطة الإسرائيلية، الذين قالوا به: اذهبوا للتجند في صفوف الجيش بدل الاحتجاج والتظاهر، حينها لن تتلقوا هذه الضربات.
وأوضح أن هذه الأحداث الثلاثة في فترة زمنية قصيرة حصلت على أرض الواقع هنا في "إسرائيل" يجمع بينها قاسم مشترك واحد، وهو أن دولة الاحتلال التي قامت على أساس التضامن الداخلي بين مختلف مكونات اليهود الاجتماعية ها هي تشهد حالة من التفكك والانقسام والتباين، وتتشظى مجموعات متناقضة.
ولفت إلى أن الواقع القائم في "إسرائيل" بفعل انتشار هذه المجموعات المتباينة أن أفراد هذه المجموعة يتجاهلون تماما أي معاناة لأفراد المجموعة الأخرى، ولا يتدخلون بهم إطلاقا بل يسعون في كل مناسبة للتنغيص عليهم، وإيجاد كل ما من شأنه وضع المزيد من المعاناة عليهم، نحن أمام حالة من فقدان مطلق للثقة بهذه الدولة.
وأوضح أن شبكات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية غصت في الأيام الأخيرة بسيل جارف من المنشورات والتعليقات التي تعج بالعنصرية والإساءات القاسية ضد باقي مكونات المجتمع الإسرائيلي، لاسيما من الطبقة الجديدة الذين يتهمون أن من يقف خلف هذه المظاهرات هم عناصر اليسار، وهي ذاتها التهمة التي وجهها اليمين لمظاهرات الدروز احتجاجا على قانون القومية اليهودية، ومظاهرات المعاقين ذوي الاحتجاجات الخاصة.
وأشار إلى أن المجتمع الإسرائيلي أصبح لا يفكر الواحد بالآخر، الشرطي ليس مستعدا لتفهم معاناة هذا اليهودي الأثيوبي، بل يخاف منه، وحين يخاف يمتشق سلاحه، ويطلق النار عليه، وحين لا يفهم السائق اليهودي أسباب إغلاق المتظاهرين الأثيوبيين للطرق العامة يمضي مسرعا، ويدعسهم على مرأى ومسمع الجميع.
وأكد أن المجتمع الإسرائيلي دخل مرحلة التفكك، وهو يسارع الخطى نحو هذه المرحلة، لأن أحدا ما يبدو أنه يستفيد من هذه الحالة السيئة، هناك ساسة ديماغوغيون يسعون للتفريق ومزيد من التفسخ، يملكون بين أيديهم مفاتيح القوة داخل الدولة من خلال أغلبية قليلة لا تعدو 61 عضو كنيست فقط، وتسعى دائما لإيجاد الأعداء الداخليين في الدولة، كي تحافظ على بقائها.
وتابع، "الأغلبية المحتجة المتظاهرة تحتاج للأمن والثقة بالدولة، أما أولئك الساسة فليسوا مستعدين للاستماع لأي حقائق أو آراء تزعزع مكانتهم، من هنا تقترب المسافة إلى حالة حرب الكل في الكل، انطلاقا من وضعية الضعف التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي غير المتجانس".
وشدد على أن التخلص من هذه الحالة، فالإسرائيليون بحاجة إلى قيادة تبحث عن القواسم المشتركة، قيادة تاريخية تدرك تماما أن المجتمعات التي تفقد التضامن الداخلي سرعان ما تتفكك إلى صراعات إثنية وقومية واجتماعية، حتى تتحطم من داخلها.
