كاميرا مغمسة بالدم، وقلم مكسور ملطخ بالطين، وأوراق مطرزة بحبر البطولة، وسترة كتب عليها "صحافة" باللغتين العربية والانجليزية لكنها لم توفر الحماية لصاحبها، وقافلة تنوح في طريقها وسط الخراب والدموع والدماء والأمل الذي لم ينطفئ رغم رياح الحرب العاتية.
واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية والعربية والعالمية، حقبة سوداء مغمسة بالدم، لم تمنع الصحفيين من عملهم الميداني تحت القصف، وبين الركام، وفي ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة، لنقل صورة الواقع وتوثيق معاناة المدنيين خلال الحرب.
كان الصحفي الفلسطيني، ولا يزال، شريكا في معركة الوعي والذاكرة، وصانعا ماهرا وحاذقا للرواية الفلسطينية الواقعية والمدعمة بالحقائق والتي تقطر بالدماء والصرخات وآنين المجوعين، والتي مزقت زيف الدعاية الإسرائيلية وسرديته وكشفت جرائم الحرب للعالم أجمع، وحقيقة هذا الكيان العنصري المنفلت من عقله وعقاله، رغم محاولات التعتيم والتضليل.
جرائم لم تدخل ولن تدخل في حقبة النسيان ولن توضع على الرف في قبو معتم ورطب ليأكلها الغبار، فقد شكلت جرائم حرب كاملة ومكتملة استهدفت بشكل مباشر وممنهج كل من يحمل القلم أو الكاميرا والميكروفون، ومحاولة واضحة لإفراغ الميدان من الشهود الذين تحولوا إلى شهداء.
31 كانون الأول/ديسمبر من كل عام، يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، والذي أعلنته الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة في عام 2010، تقديرا لتضحيات الصحفيين وجهودهم في نقل الحقيقة.
يوم مختلف عن باقي السنوات السابقة بعد عدوان وحرب إبادة جماعية ضد قطاع غزة استمرت على مدار عامين كاملين وأكثر، ارتقى خلالها 257 شهيدا صحفيا منذ بدايتها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023.
ولم يقتصر استهداف الصحفيين الفلسطينيين على القتل المباشر أو الإصابة أو الاعتقال أو المنع من التغطية، وإنما إذ أخذ بعدا أكثر خطورة ووحشية تمثل في استهداف عائلات الصحفيين وأقاربهم، في مساع إسرائيلية حثيثة لتحويل العمل الصحفي إلى عبء وجودي يدفع ثمنه الأبناء والزوجات والآباء والأمهات.
وقتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 706 أشخاص من عائلات الصحفيين في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية وفق رصد وتوثيق لجنة الحريات في مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين.
كما واصل الاحتلال منع الصحفيين الأجانب من دخول القطاع في إجراء غير مسبوق، أسهم في عزل غزة إعلاميا، وأعاق التحقق الميداني المستقل من الوقائع ونقل صورة شاملة لما يجري على الأرض.
حرب على الصحفيين في غزة الأسوأ تاريخيا، إذ تجاوز عددهم مجموع من قتلوا من الصحفيين في الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب كوريا وفيتنام ويوغسلافيا وأفغانستان، وفق ما خلص إليه مشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون الأمريكية.
الحرب على غزة، كشفت أن الاحتلال هو العدو الأخطر على الصحافة والصحفيين، لأنهم كانوا الصوت والصورة الفاضحة لجرائمه ومجازره، والوسيلة الكاشفة لروايته الكاذبة ودعايته السوداء التي تهاوت أمام الحقيقة.
كان هؤلاء الأبطال خلف الشاشات، الشهود بالصوت والصورة والكلمة، متمسكين برسالتهم ملتحمين مع أبناء شعبهم، والذين يعيشون آلامه وآماله، وينقلون عين الحقيقة دفاعا عن فلسطين وعدالة القضية الفلسطينية.
كل ذلك وسط تجهل من قبل المنظمات الأممية ومنظمات المجتمع المدني لما يجري، إلا أقل القليل، وسط محاولات خجولة تدعو لفضح جرائم الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين، والعمل على إدانتها، والتحرك لمحاكمة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية.
وهو ما دعت له مرارا وتكرارا فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعلى المؤسسات الإعلامية والمشتغلة في الشأن الصحافي في العالم الانحياز لقيم الموضوعية والأمانة والنزاهة في نقل حقيقة ما يجري في قطاع غزة وفلسطين، وعدم الانسياق وراء التضليل والكذب الذي يمارسه الإعلام الإسرائيلي والإعلام الغربي المنحاز بشكل فاضح إلى جانب القاتل متجاهلا الضحية في حرب الإبادة التي تركت خلفها حتى اليوم أكثر من 71 ألف شهيدا و171 ألف جريحا.
ويخرق الاحتلال يوميا اتفاق وقف إطلاق النار، ويقتل ويصيب مئات الفلسطينيين، ويقوم بتدمير كل مظاهر الحياة في قطاع غزة، كما يمنع إدخال قدر كاف من الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية إلى غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في أوضاع كارثية غير إنسانية.
سيبقى دور الصحفي الفلسطيني أقوى من رصاص الاحتلال ومن جرائمه، وسيبقى صوته مهنيا ووطنيا حرا كاشفا حقيقة دولة وكيان هش بدا ضائعا صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ونجا من التلاشي والذوبان بعد أن خذلت الأمة المقاومة التي أرشدتنا جميعا إلى الطريق لكننا سلكنا طرقا أخرى ندفع ثمنها الآن بتقسيم الوطن العربي بتفتيته إلى قبائل وعشائر وكيانات هشة تحارب بعضها البعض.
الصحفي الفلسطيني لم يكن ضحية جانبية، بل هدفا مباشرا لقنابل ولرصاص الاحتلال، بسبب دوره في فضح الانتهاكات ونقل الصورة الحقيقية للرأي العام العالمي، وسيبقى ضوءا يضيء لنا عتمة الطريق نحو الحقيقة والوعي والحرية.
