تتزايد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران، التي تشهد حالة تظاهرات واسعة احتجاجًا على التراجع الحاد في قيمة الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية وتفاقم المشكلات الاقتصادية، وهي تظاهرات سبقتها أخرى مشابهة خلال الشهور الماضية، وتضمنت أيضًا مطالبات حول قضايا سياسية واجتماعية.
وتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية توجيه "ضربة قوية جدًا لإيران، في حال مقتل أشخاص خلال المظاهرات المناهضة للحكومة"، بينما قال السفير الأمريكي في "إسرائيل" مايك هاكابي إن التغيير الحقيقي للنظام الإيراني يجب أن ينبع من الشعب نفسه.
ورغم العداء الواضح بين إيران من جهة و"إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة أخرى، وكان أبرز فصوله في حزيران/ يونيو 2025، عندما شنت "إسرائيل" بدعم أمريكي حربًا على إيران استمرت 12 يومًا، فردت عليها طهران، قبل أن تعلن الولايات المتحدة وقفًا لإطلاق النار، إلا أن العلاقات بين الجهات الثلاث كانت مختلفة جدًا قبل الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط حكم الشاه محمد رضا بهلوي.
كيف كانت العلاقات؟
تحت حكم الشاه بهلوي كانت إيران تُعد حليفة قوية للغرب، وكانت ترى في "إسرائيل" شريكًا غير عربي مهمًا يوازن التهديدات المشتركة من الدول العربية المجاورة، واتُّبع في "إسرائيل" منذ عهد بن غوريون مفهوم "المحيط" الذي سعى إلى التحالف مع دول غير عربية مثل إيران وتركيا كـ"معادِلات للمعادين العرب".
بالعودة إلى عام 1947، صوتت إيران على قرار التقسيم في الأمم المتحدة برفض إقامة دولة "إسرائيل"، إلا أنه عام 1950 تغير هذا التوجه واعترفت إيران بـ"إسرائيل" على الساحة الدولية وأنشأت سفارتها هناك، ثم أغلقتها عام 1952 بسبب ضغط عربي، وكلفت سفارة السويد بتمثيلها لدى "إسرائيل".
ومع حلول عام 1958، توطدت العلاقة بين الطرفين لكن دون علاقات دبلوماسية كاملة جرّاء الضغط العربي والباكستاني، وفي عام 1960 صرّح الشاه أن السفارة في تل أبيب أُغلقت بسبب شحّ الميزانية فقط، ثم أنشأ نظام علاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه انتهى مع اندلاع الثورة الخمينية.
التعاون الأمني والاستخباراتي
عرفت الستينيات تطورًا في التعاون الاستخباراتي بين أجهزة المخابرات الإيرانية والإسرائيلية، ففي عام 1957 التقى رئيس جهاز الاستخبارات الإيراني "ساواك" تيمور بختيار بالسفير الإسرائيلي في باريس، وعرض تبادل المعلومات الاستخباراتية مع "إسرائيل"، وهو عرض رحبت به تل أبيب.
وعلى مدى العقود التالية عمل عدد من ضباط الموساد كمستشارين لدى إيران، أُرسل يعقوب نمرودي ضابطًا في الموساد إلى طهران ليعمل ملازمًا عسكريًا، كما عمل مئير عزري سفيرًا إسرائيليًا في إيران من 1958 إلى 1973، وهما اللذان كانا "ركيزتين في تعزيز التعاون الوثيق بين الطرفين"، بحسب موقع "الموسوعة الإيرانية"، وهي مشروع أكاديمي أمريكي.
وشمل هذا التعاون تبادل المعلومات حول التهديدات الإقليمية (مثل حركات القومية العربية والشيوعية)، وساعد في تنسيق الجهود الأمنية ضد المعارضة الداخلية والإقليمية من منظور مشترك.
وساهمت "إسرائيل" أيضًا في دعم تطوير القدرات العسكرية الإيرانية، وساعدت "إسرائيل" في تطوير القوات المسلحة الفارسية في الفترة ما بين 1958 و1967، وتضمن هذا الدعم إرسال مستشارين عسكريين إسرائيليين لمساعدة الجيش الإيراني، وصيانة الطائرات الأميركية الصنع (التي كانت إيران تحصل عليها من الولايات المتحدة) عبر فتح أسواق قطع غيار بديلة.
وسمحت العلاقات الاستراتيجية نفسها لإيران بالحصول على تكنولوجيا عسكرية حديثة – مباشرة أو عبر "وسطاء" – وهو ما عزز موقفها الدفاعي في الشرق الأوسط.
التعاون الاقتصادي والتجاري
شملت العلاقات الوثيقة بين إيران و"إسرائيل" تبادلًا اقتصاديًا متناميًا، خاصة في مجال النفط والمواد التقنية، ووقّع الطرفان اتفاقيات "مدفونة سريًا" لنقل النفط الإيراني إلى البحر المتوسط دون المرور بقناة السويس المغلقة آنذاك.
وكان أحد أبرز تجليات ذلك مشروع خط أنابيب "إيلات–عسقلان" بطول 254 كم، وهو الذي بُني عام 1968 بتمويل مشترك.
ونقل هذا الأنبوب أولًا نحو أكثر من عشرة ملايين طن من النفط الإيراني سنويًا – أي أكثر من إجمالي الاستهلاك السنوي لـ"إسرائيل" آنذاك، كما عززت إيران صادرات النفط لكونها مدخلًا لعائدات أهم لـ"إسرائيل"، بينما زادت تل أبيب بدورها صادراتها الصناعية إلى إيران.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الصادرات الإسرائيلية إلى إيران قفزت من حوالي 22 مليون دولار عام 1970 إلى أكثر من 103 ملايين دولار عام 1977، بينما نمت واردات "إسرائيل" من النفط الإيراني من 1.3 مليون دولار عام 1967 إلى 5.8 مليون دولار عام 1977.
العلاقات الدبلوماسية
على المستوى السياسي، حافظت إيران على علاقات رسمية معلنة مع "إسرائيل" خلال عهد الشاه، فقد اعترفت طهران بدولة إسرائيل فعليًا عام 1950 وأقامت قنصلية لها في القدس، واستضافت تل أبيب فيما بعد مبعوثيها في طهران. كما تبادل الطرفان الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى، وكان بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور طهران عام 1961.
وعلى الرغم من أن هذه العلاقات كانت دائمًا غير معلنة بالكامل خشية ردود فعل عربية، فإنها كانت "ودية وغير مخفية" وفق تعبير بن غوريون نفسه.
وفي ذلك الوقت، كانت كل من "إسرائيل" وإيران "العدو المشترك" للعرب، فقد اعتُبرت "إسرائيل" حليفًا طبيعيًا لإيران ضد خصومها العرب، بحسب تقرير سابق لمؤسسة "بروكينغز" البحثية الأمريكية، وهذا ما عزّز التفاهمات السياسية بين القيادة الإيرانية والاحتلال الإسرائيلي قبل الثورة الإسلامية.
مع واشنطن
كانت إيران قبل الثورة الإسلامية حليفة رئيسية للولايات المتحدة، في ظل سياسة "العمودين التوأم – Twin Pillars" للبيت الأبيض، واعتُبرت إيران والسعودية ركيزتين أساسيتين لضمان استقرار الخليج العربي، بحسب "معهد الشرق الأوسط".
ووصف الرئيس الأمريكي آنذاك نيكسون إيران بأنها "مناطق الحراسة" على محيط العالم العربي الغني بالنفط، وذلك إلى جانب تركيا و"إسرائيل".
ونتيجة لذلك ارتبطت إيران برعاية أمريكية شملت بيع أسلحة متطورة وتدريبات عسكرية. وكانت هذه العلاقات مع واشنطن عاملًا مساندًا لعلاقات إيران مع "إسرائيل"، إذ إن كلتاهما كانتا حليفتين لأمريكا في المنطقة، وتوافقت مصالحهما الاستراتيجية، كالخوف من التوسع السوفياتي ومواجهة القومية العربية، إلى حد كبير.
تحالفات أخرى
كانت إيران قبل الثورة الإسلامية عضوًا فعالًا في بعض التحالفات الإقليمية، فقد انضمت منذ 1955 إلى "حلف بغداد – CENTO" مع تركيا وباكستان وبريطانيا لاحتواء النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط.
وظل هذا الحلف قائمًا حتى الثورة الإسلامية، بينما انسحب العراق منه مبكرًا عام 1959، ثم انسحبت إيران من الحلف عام 1979 بعد سقوط الشاه.
وشاركت إيران في منظمة أوبك منذ تأسيسها عام 1960، وقد سعت من خلال صادراتها النفطية، وكجزء من سياسة "العمودين التوأم"، إلى بناء تحالفات أمنية مع دول الخليج والسعودية لضمان نفوذها.
ورغم هذه الجهود، كانت هناك توترات غير معلنة مع بعض دول الخليج، مثل النزاع على جزر الإمارات عام 1971 والمطالبة بحقوقٍ في البحرين؛ لكن قبل الثورة كانت إيران تتمتع بنفوذ كبير في المنطقة بوصفها القوة الفارسية الكبرى المدعومة غربيًا.
ما بعد الثورة
مع قيام الثورة الإسلامية عام 1979 تغيّرت موازين القوة والعلاقات بشكل جذري، فقد قطعت الجمهورية الإسلامية الحديثة العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" فورًا، وأُغلقت جميع قنوات التواصل معها، وصار الخطاب الرسمي الإيراني معاديًا للاحتلال الإسرائيلي، وجرى وصف "إسرائيل" بـ"الشيطان الأصغر"، في حين وُصفت الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر".
وتبنت إيران سياسة معادية لـ"إسرائيل"، ودعمت كافة حركات المقاومة، سواء كانت شيعية مثل حزب الله اللبناني، أو سنية مثل حركة حماس.
واقتصاديًا، فقدت إيران حصتها في المشاريع المشتركة مع "إسرائيل" مثل مشروع خط أنابيب إيلات–عسقلان، ولم تعُوض إطلاقًا عن النفط الذي كان مخزونًا في خزانات الأنبوب عند الثورة، بينما اقتنص الاحتلال الإسرائيلي هذه الأصول وحوّل بنية المشاريع النفطية لصالحه.
أما العلاقات مع الولايات المتحدة فقد وصلت إلى نقطة القطيعة، وشهد عام 1979 اقتحامًا لسفارة واشنطن في طهران واحتجاز رهائن أمريكيين، بأمر خُميني الذي أعلن سياسة الممانعة ومصطلح "الشيطان الأكبر" تجاه الولايات المتحدة.
وانتهت أزمة الرهائن عام 1981 رسميًا، ولكن العلاقات ظلت مشحونة، فقد دعمت واشنطن العراق ضد إيران في حرب الخليج الأولى (1980–1988)، وفرضت حظرًا تجاريًا وعسكريًا على طهران.
