بين أنقاض الملاعب التي كانت تضج بهتافات الجماهير، وفي زوايا مراكز النزوح المكتظة في غزة، توقفت عقارب الساعة عن الدوران بالنسبة لمئات الرياضيين الفلسطينيين، فلم تعد الصافرة تعلن بداية مباراة، بل أصبحت تعلن عن فصل جديد من فصول المعاناة المعيشية.
في غزة، لم تدمر الحرب الحجر والبشر فحسب، بل سحقت أحلاماً وطموحاتٍ بُنيت عبر سنوات من العرق والتدريب، فاليوم يجد لاعبون دوليون ومحليون أنفسهم أمام "مباراة مصيرية" من نوع آخر: مباراة البقاء على قيد الحياة.
وتشير التقديرات الرياضية المحلية في مطلع عام 2026 إلى أن أكثر من 90% من لاعبي الدوري في غزة فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، ومع توقف النشاط الرياضي تماماً وانعدام التمويل، وجد اللاعبون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع "الفقر المدقع".
ولم يعد السؤال "من سيفوز بالدوري؟"، بل "من سيوفر ربطة الخبز اليوم؟"
وفي ظل المعاناة التي يعاني منها لاعبوا قطاع غزة في مختلف المسابقات، نرصد لكم في هذا التقرير أبرز اللحظات التي عاشها الرياضيون منذ بداية الحرب.
انقلاب الموازين
قبل سنوات قليلة، كان هؤلاء اللاعبون يمثلون الطبقة المبدعة؛ يتقاضون رواتب بالدولار، ويحظون باهتمام كبير من الجماهير والداعمين، فاليوم ومع استمرار تداعيات الحرب وتدمير المنشآت الرياضية بالكامل، تحول "أبطال الملاعب" إلى عمال مياومة أو باحثين عن المساعدات الإنسانية.
وقبل عام واحد فقط، كان إبراهيم أبو رحال نجم المنتخب الوطني الفلسطيني لكرة السلة ونجم خدمات البريج يركض خلف الكرة، يتقاضى راتباً يكفيه وعائلته، ويُشار إليه بالبنان كقدوة للشباب، اليوم، يقف محمد في طابور طويل أمام إحدى "التكايا" ليحصل على وجبة طعام لعائلته.
يقول إبراهيم بمرارة: "خسرتُ عقدي مع النادي، وتوقف الراتب تماماً. الرياضة في غزة ماتت سريرياً، الآن، حذائي الرياضي الذي ركضت فيه بالملاعب الدولية والمحلية معلق، بينما يداي اللتان كانتا ترفعان الكؤوس، تمتدان اليوم لطلب المساعدة".
ويضيف: ""نحن لا نتسول رغيف الخبز فحسب، بل نتسول حقنا في أن نُعامل كبشر أصحاب قيمة ومساهمة في المجتمع، لا كمجرد أرقام في قوائم المساعدات."
وتابع: " معظم الرياضيين في غزة يعانون من انقطاع كامل للدخل. الأندية دُمرت، والاتحادات الرياضية مشلولة، والتمويل الخارجي توقف أو وُجه للإغاثة الطارئة فقط. هذا الواقع دفع البعض إلى بيع المقتنيات الشخصية، بيع الميداليات أو الكؤوس النحاسية أحياناً كـ "خردة" لتأمين ثمن ربطة خبز، إضافة للعمل في المهن الشاقة من خلال نقل المياه أو بيع الحطب على العربات.
وختم حديثه: " تكمن المأساة في الخجل الاجتماعي؛ فالجمهور الذي كان يصفق لهؤلاء النجوم في المدرجات، يراهم اليوم في أوضاع معيشية صعبة. فاللاعب في غزة كان رمزاً للقوة، والآن تحول لرمز للانكسار، مبيناً أن بعضهم يرفض الظهور للإعلام لأنه لا يريد أن يرى جمهوره انكسار عينيه وهو يطلب المساعدة".
من النجم إلى الباحث عن فتات
ويقول الكابتن "محمود" (اسم مستعار)، الذي رفض الكشف عن اسمه، ومثل المنتخب الوطني سابقاً: "في غزة، سقطت الأقنعة والطبقات، كنت أتقاضى راتباً يكفيني لعيش كريم، واليوم أقف خجلاً في السوق لأبيع ما تبقى من طرود غذائية استلمتها من المعونات لأتمكن من شراء دواء لوالدتي. الملاعب تحولت لمقابر أو مراكز نزوح، وأحلامنا دُفنت تحت عشبها المحروق".
وأضاف: " قصة لاعبي غزة في هذه المرحلة ليست مجرد قصة توقف رياضة، بل هي شهادة على سحق أحلام جيل كامل، الأقدام التي كانت تركل الكرة نحو الشباك، تجر الآن أذيال الخيبة في أزقة المخيمات، تبحث عن "لقمة عيش" بعد أن كانت تبحث عن مجد رياضي".
وتابع: " الرياضي في غزة اليوم لا يبحث عن "لقب هداف الدوري"، بل يبحث عن كيفية توفير ثمن "كيس طحين"، لقد تحول هؤلاء الأبطال من صناع للفرح إلى ضحايا صامتين لواقع اقتصادي واجتماعي مدمر، حيث تلاشت الحدود بين "النجم" و"المحتاج".
ويضيف اللاعب: "أصعب لحظة هي عندما يسألني ابني: "بابا، متى ستعود لتلعب في التلفزيون؟". لا يعرف أن الملعب الذي كنت ألعب فيه تحول إلى خيام للنازحين، وأن النادي الذي كنت أنتمي إليه صار أثراً بعد عين".
وأردف: " المأساة لا تتوقف عند الفقر، بل تصل إلى الموت من أجل البقاء، فقصة اللاعب إسماعيل أبو دان واللاعب سليمان العبيد، تلخص هذا الواقع المرير؛ فقد استشهد أبو دان والعبيد في عام 2025 أثناء انتظاره للحصول على مساعدات إنسانية في مدينة غزة، فهم لم يموتوا في مباراة أو بسبب إصابة رياضية، بل مات وهو يبحث عن "لقمة العيش" التي عزّت على الرياضيين قبل غيرهم.
وختم حديثه: "اللاعب عزيز النفس بطبعه، لكن الجوع كافر، نرى نجوماً يقفون على الطرقات يبيعون المعلبات التي يحصلون عليها من المعونات وبعضهم، وللأسف، اضطر لطلب المساعدة بشكل مباشر من رجال الأعمال أو عبر منصات التواصل الاجتماعي تحت مسميات 'علاج' أو 'ترميم خيمة".
