في عالمٍ ضاقت فيه الحدود بين الحقيقة والتزييف، كان الصحفي الفلسطيني أنس الشريف يقف وحيداً خلف كاميرته في غزة، حاملاً درعه الأزرق الذي كُتب عليه "PRESS" بخطٍ عريض، آملاً أن يكون هذا القماش حاجزاً بينه وبين الموت. لكن في غرف الأخبار المظلمة والمحرضة، كان هناك من ينسج رواية أخرى؛ جردوه من إنسانيته ولقبوه بـ "الإرهابي"، زاعمين أن درعه ليس إلا ستاراً لتمويه "أعمال أخرى"، وكأن نقل صورة الجائع والثاكل أصبح جريمة تستوجب التصفية.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، حيث تُقلب الموازين بدم بارد، ظهرت مذيعة "القناة 14" العبرية في صورةٍ تذكارية. لم تكن تحمل ميكروفوناً ولا دفتراً للملاحظات، بل كانت تحتضن سلاحاً نارياً وتوزع الابتسامات أمام العدسة.
ورغم فجاجة المشهد، قُدِّمت للعالم كرمزٍ "للسلام والأمان"، ولم يجرؤ أحدٌ على نزع صفة "الصحافة" عنها أو اتهامها بالإرهاب.
يُظهر هذا التناقض الصارخ معايير مزدوجة واضحة في كيفية التعامل مع الصحفيين ورسالتهم، حيث يواجه الصحفيون الفلسطينيون اتهامات وتحديات لا يتعرض لها غيرهم، مما يسلط الضوء على واقع معقد يتطلب دراسة ونقاش.

