يثير غسل الدجاج النيّئ قبل الطهي جدلًا واسعًا بين العادات المنزلية المتجذّرة والتحذيرات الصادرة عن هيئات سلامة الغذاء، في نقاش يتجاوز كونه مسألة مطبخية ليعكس تباينًا ثقافيًا وعلميًا في فهم النظافة الغذائية.
وتوصي الإرشادات الصحية في عدد من الدول الغربية بعدم غسل الدجاج، معتبرة أن هذه الممارسة قد تساهم في نشر بكتيريا ضارة داخل المطبخ، بينما يرى كثيرون حول العالم أن الغسل خطوة أساسية لا يمكن تجاوزها في إعداد الطعام.
وتحذر المؤسسات الصحية وخبراء علوم الغذاء من أن الدجاج النيّئ غالبًا ما يحمل بكتيريا خطيرة مثل السالمونيلا وكامبيلوباكتر، وأن غسله تحت الماء الجاري يؤدي إلى تطاير رذاذ مائي ملوّث قد يصل إلى أسطح العمل، وأدوات الطهي، والملابس، وحتى الأطعمة القريبة التي تُستهلك نيّئة، بحسب تقرير لشبكة "بي بي سي".
وأكد أستاذ علم الأحياء الدقيقة الغذائية في جامعة ريدينغ البريطانية، كيمون أندرياس كاراتزاس، أن هذا الانتقال غير المرئي للجراثيم يمثل أحد الأسباب الأكثر شيوعًا للتسمم الغذائي المنزلي.
وتُعد بكتيريا كامبيلوباكتر من أخطر مسببات التهابات المعدة والأمعاء عالميًا، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنها من الأسباب الرئيسية للإسهال الحاد، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
وأوضح مختصون أن كمية ضئيلة جدًا من هذه البكتيريا تكفي لإحداث العدوى، وأن أعراضها قد تتراوح بين الإسهال والتقيؤ وارتفاع الحرارة، وقد تتطور في حالات نادرة إلى مضاعفات عصبية خطيرة.
وشدد خبراء على أن الطهي الجيد وحده هو الوسيلة الموثوقة للقضاء على هذه البكتيريا، محذرين من الاعتقاد السائد بأن استخدام الخل أو الليمون قادر على تعقيم الدجاج، إذ لا تُظهر الدراسات العلمية فاعلية كافية لهذه الطرق في تقليل الحمل البكتيري إلى مستويات آمنة.
في المقابل، تكشف دراسات حديثة أن غسل الدجاج لا يزال ممارسة شائعة في مناطق واسعة من العالم، إذ أظهرت أبحاث أن نسبًا كبيرة من المستهلكين في آسيا وأفريقيا والكاريبي وأميركا الجنوبية يصرّون على غسل الدجاج قبل طهيه.
ويعزو باحثون ذلك إلى طبيعة سلاسل التوريد المحلية، حيث يُذبح الدجاج أحيانًا في أسواق مفتوحة، مع تفاوت في معايير النظافة وتوفر المياه الصالحة للاستخدام.
ولا يقتصر الجدل على الجوانب الصحية فقط، بل يمتد إلى البعد الثقافي والاجتماعي، إذ يرتبط غسل الدجاج لدى كثيرين بمفاهيم الطهارة المنزلية والتنشئة العائلية والذاكرة المرتبطة بالمطبخ.
ويعتبر البعض أن تجاهل هذه الممارسة يمثل إخلالًا بمعايير النظافة التي نشأوا عليها، حتى مع إدراكهم للتحذيرات العلمية.
ويرى مختصون أن هذا الخلاف يعكس فجوة أوسع بين التوصيات الصحية الحديثة والممارسات اليومية المتوارثة، مؤكدين أن الحل لا يكمن فقط في إصدار التحذيرات، بل في تعزيز الوعي ببدائل أكثر أمانًا، مثل الالتزام الصارم بتنظيف الأسطح والأدوات، وتفادي التلوث المتبادل، وضمان الطهي الكامل للدجاج باعتباره الإجراء الحاسم لضمان سلامة الغذاء.
