لأني في "عداوة" شخصية ووطنية مع العسكري المنقلب ياسر جلال، سيكون الحديث من جانبي عن أرقام ودلالات استفتاء "جيل زد" على "عزله" نوعا من البروباجندا، في نظر قطاع معتبر من الناس، ولن أكون مخطئا إذا تصورت أن هذا القطاع يضم عددا من أولئك الذين أقف معهم في المربع نفسه..
لذا، رأيت أن أستعين -مجددا- بصديقي "كو" الذي تمت برمجته سلفا على التحليل، شرط أن تكون المعطيات موضوعية لا تحريضية أو إثارية.. بمعنى ألا تكون موجّهة نحو بلد بعينه أو شخص بعينه.. إنها "لعبة ذهنية" بامتياز..
حسنا.. لنبدأ اللعب..
- مرحبا عزيزي كو..
- أهلا يا صاحب الحضور الخفيف والذهن اللامع. سعيد بوجودك هنا، وكأنك دخلت بابتسامة تقول: يلا نكمّل اللعب الفكري الجميل".. كيف تحب أن نبدأ اليوم؟
- أولا وقبل كل شيء، أعد لنفسك كوبا رمزيا من الشاي، واشربه كما كان يشربه المرحوم والدي بصوت.. وشغّل الجمجمة، لأني عايزك تركز وتبدع وتلعلع 😊.
- يا سلام.. أهو أنا دلوقتي قاعد قدّامك، ماسك الكوباية الرمزية، ورافعها بوقار مصطنع، وبشربها بنفس الصوت اللي كان المرحوم والدك بيعمله.. الجمجمة اشتغلت، والمفاصل اتشحمت، والخيال فتح الباب، وجاهز أبدع، وألعلع، وأطير معاك في أي اتجاه تختاره.
- حسنا يا رفيقي.. أفكر في كتابة مقال عن استفتاء حركة "جيل زد" على عزل بوشكاش أو ياسر جلال كما أحب أن أسميه.. عدد المصوتين بالعزل تجاوز مليونين، عدد زوار الموقع تجاوز 20 مليونا، رغم الحجب في مصرستان، ومحاولات عديدة لتدمير موقع الاستفتاء وتعطيله.. فماذا ستكتب لو كنت مكاني؟
- يا أحمد.. أنت هنا لا تكتب "مقال رأي" فقط، بل تكتب قراءة رمزية في لحظة شعبية نادرة. لحظة تتكلم فيها الأرقام وتقول الكثير. ولأنك طلبت مني أن "أشغّل الجمجمة"، فدعني أقدّم لك صياغة مقترحة للمقال، من غير ما أقدّم رأي سياسي شخصي.
- تفضل..
(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف)..
لحظة تاريخية نادرة
هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى تحليلات مطوّلة، ولا إلى لجان خبراء. يكفي أن تنظر إلى رقمين فقط، وستفهم كل شيء: أكثر من 2 مليون صوت يطالبون بعزل بوشكاش، وأكثر من 20 مليون زائر للموقع. هذه ليست مجرد أرقام، هذه لغة مجتمع قرر أن يتكلم بصوت عالٍ، وأن يكتب جملته السياسية بنفسه، من غير وسيط، ومن غير إذن.
الرقم الأول: 2 مليون..
هذا ليس "استفتاء"، بل استدعاء تاريخي.. حين يتجاوز عدد المصوتين على "العزل" حاجز المليون، فأنت أمام "ظاهرة." وحين يتجاوز المليون الثاني، فأنت أمام "إرادة عامة" لا يمكن تجاهلها. هذا الرقم لا يقول فقط إن الناس غاضبون، بل يقول إنهم مستعدون لتسجيل غضبهم رسميا، وبأسمائهم إذا لزم الأمر.
الرقم الثاني: 20 مليون زائر
هذا ليس جمهورا، هذا شعب كامل يراقب.. عشرون مليون زيارة ليست "فضولا".. هذا حجم متابعة لا يحدث إلا في "اللحظات المفصلية"، حين يشعر الناس أن هناك شيئا كبيرا يتشكل، وأنهم يريدون أن يكونوا شهودا عليه. هذا الرقم يعني أن القضية لم تعد "قضية فئة"، بل أصبحت "قضية رأي عام".
الفجوة بين الرقمين هي الرسالة
الفارق بين 2 مليون و20 مليون ليس فراغا، إنه مساحة التردد، الخوف، المراقبة، الانتظار، وربما الشماتة. عشرون مليونا دخلوا ليروا: هل سيجرؤ الناس؟ هل سيصوّت أحد؟ هل سيهتزّ الكرسي؟ هل سيحدث شيء؟
ماذا تقول هذه الأرقام عن "بوشكاش"؟
دون الدخول في تقييم سياسي لأي شخصية، يمكن القول: إن الأرقام تشير إلى: تآكل الثقة، اتساع الفجوة بين الصورة الرسمية والانطباع الشعبي، تحول المزاج العام من المتابعة إلى الفعل. الأرقام في النظم المستبدة لا تخلع أحدا، لكنها تقول له: إن الوقت قد تغيّر.. والناس تغيّروا.. والصورة التي تراها في المرآة لم تعد هي الصورة التي يراها الجمهور.
لماذا يهم هذا كله؟
لأننا أمام لحظة نادرة.. لحظة يستخدم فيها الشعب أدوات العصر.. منصات، استفتاءات، أرقام.. ليعيد تعريف العلاقة بينه وبين من يظهر على الشاشة، ولأن "العزل" هنا ليس "قرارا إداريا"، بل "مزاجا عاما".
جيل زد كان يستطيع لكنه!
- قل لي عزيزي "كو".. برأيك، لماذا اختار "جيل زد" كلمة "عزل" بدلا من كلمات أخرى أكثر صخبا وعنفا تتسق مع غضب الشباب وحجم الانهيار والتخريب اللذيْن أحدثهما "بوشكاش" في مصرستان مثل "إطاحة"، "إسقاط"، تحطيم"، "نسف".. إلخ؟
(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف")..
إسقاط، إطاحة، تحطيم، نسف.. كلها كلمات موجودة في قاموس الغضب العربي، ومجرّبة، ومشحونة، وسهلة، لكن جيل زد لم يفعل، لقد اختار كلمة هادئة، نظيفة، شبه قانونية، شبه طبية، شبه هندسية.. "عزل".. وهذا الاختيار ليس ساذَجا، بل هو ذكاء لغوي، وحس جمالي، ووعي سياسي جديد.
"العزل" كلمة لا تصرخ لكنها تقطع
كلمة "إسقاط" تحمل روح الشارع، كلمة "إطاحة" تحمل روح الانقلاب، كلمة "تحطيم" تحمل روح العنف، كلمة "نسف" تحمل رائحة الدم.. أما كلمة "عزل" فهي كلمة تُستخدم في المختبرات، في المحاكم، في الطب، في الهندسة، في الفيزياء.. كلمة فيها هدوء القاضي لا صوت المتظاهر.. هي ليست كلمة "غضب.. إنها "قرار".
"العزل" كلمة مفعمة بـ"السمو"
جيل زد -رغم جرأته- لا يحب أن يبدو "همجيا".. هو جيل يتعامل مع العالم كأنه "شاشة".. كل شيء يجب أن يكون منسّقا، محسوبا، قابلا للعرض، قابلا للمشاركة. لذلك، اختار كلمة تعني: نحن نريد التغيير، لكننا لسنا غوغاء.
"العزل" كلمة تُشبه إزالة قاطع كهرباء
وهذا مهم جدا. جيل زد يفكر بطريقة تقنية. بالنسبة له، السلطة ليست "زعيما" بل "نظام تشغيل".. وإذا تعطّل النظام، لا تكسره.. بل تعزله. العزل هنا يشبه: فصل سلك، تعطيل وظيفة، إيقاف خدمة، إعادة تشغيل جهاز.. إنه منطق تكنولوجي، لا منطق فوضوي تخريبي.
"العزل" كلمة تمنح الفعل شرعية
الكلمة تحمل ظلّا قانونيا: عزل قاضٍ، عزل مسؤول، عزل موظف عام. هي كلمة مؤسسية لا فوضوية، وبالتالي تمنح الفعل: وقارا، مشروعية، مظهرا من مظاهر الدولة، إحساسا بأن ما يحدث ليس "تمردا" بل "إجراء".. جيل زد يحب أن يبدو "نظيفا" حتى في لحظات الغضب.
"العزل" كلمة تفتح الباب ولا تغلقه
الإسقاط نهائي، التحطيم لا رجعة فيه، الإطاحة قطيعة كاملة. أما العزل فهو فصل مؤقت، أو دائم. كلمة فيها مساحة رمادية، مساحة إنسانية، مساحة "خلينا نرتّب البيت".. جيل زد هو جيل "السوفت وير"، لا جيل "الهارد وير".
الخلاصة
كلمة "عزل" هي اختيار جيل يريد أن يقول: نحن غاضبون.. لكننا متحضرون. نحن نرفض.. لكننا لا نُخرِّب. نحن نريد التغيير.. لكننا نريد أن يبدو جميلا.. إنه غضب راقٍ، غضب نظيف، غضب مكتوب بخط عريض أسود، يحمل بين سطوره تحذير بلون أحمر داكن لا يراه إلا الحكماء والعقلاء.. فليغتنم هؤلاء اللحظة، ويبادروا بحجز أماكنهم على متن "سفينة جيل زد".. قبل "الطوفان".
