15.01°القدس
14.77°رام الله
13.86°الخليل
16.84°غزة
15.01° القدس
رام الله14.77°
الخليل13.86°
غزة16.84°
الجمعة 06 مارس 2026
4.1جنيه إسترليني
4.34دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.56يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.1
دينار أردني4.34
جنيه مصري0.06
يورو3.56
دولار أمريكي3.08
منير شفيق

منير شفيق

مستقبل الصراع الفلسطيني

إنّ التطوّر الأهم الذي حدث في التجربة الفلسطينية، ضدّ المشروع الصهيوني، تمثّل في ما وصلته المقاومة المسلحة من قوة، في غزة، بعد سلسلة من الحروب، امتدّت من 2008-2009 و2012 و2014 إلى 2021. فكانت نتيجة عملية «طوفان الأقصى» 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إنزال هزيمة كبيرة في فرقة غزة المشكّلة من 1200 جندي، وأسر 250 أسيراً، من جنود وميليشيات.

وبعد سنتين من حرب برّية، بين الجيش الصهيوني والمقاومة المسلّحة، وبعد حرب إبادة لسنتين، أسفرت عن مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وعن دمار شبه شامل، ما جعل غزة، كما أكد البعض، مكاناً غير قابل للحياة. ولكن حرب المواجهة البرّية أسفرت عن فشل نتنياهو في تحقيق الأهداف التي أعلنها. وقد أعلن وقف الحرب مع حماس وهي في أتمّ أهبتها العسكرية وسيطرتها على الأمن الداخلي.

أمّا حرب الإبادة، فقد أسفرت، من جهة أخرى، عن تدمير سمعة الكيان الصهيوني عالمياً، وعن إدانته بالدولة المارقة والمنبوذة، حتى من قِبَل أغلبية من الرأي العام الأميركي والأوروبي والغربي. وذلك بعد أن كان حاضناً لها وداعماً، منذ إقامة الكيان الصهيوني، وطوال عشرات السنين.

وجاء اتفاق وقف إطلاق النار، بإشراف دونالد ترامب، وضمن مشروعه، ليعطي صورة لا تعكس موازين القوى، التي أسفرت عنها الحرب، خصوصاً مع استمرار نتنياهو بانتهاك شروط الاتفاق، ومواصلة ترامب بتغطيته والتواطؤ معه.

ومن هنا راح البعض يعتبرون أن المقاومة في طريقها لتسليم سلاحها، وانتهاء دورها. وقد تعزّز هذا التقدير الخاطئ، بالهجوم لتصعيد استيطان الضفة الغربية وضمّها، وتحويلها إلى ساحة حرب، في هدم البيوت، والسيطرة على الأرض، والإعداد لتهجير واسع.

وبناءً على هذين البُعدين في الوضع الفلسطيني، نما اتجاه سياسي، يطالب بطرح مشروع وطني فلسطيني، ضمن المعادلة أعلاه، أي بعد سقوط استراتيجية المقاومة والانتفاضة، أو المطالبة بدولة فلسطينية.

إنّ «المشروع الوطني الفلسطيني» القادم (التسمية غير موفّقة) سيتشكّل على ضوء مواجهة استراتيجية المشروع الصهيوني

أي لم يبق غير مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني على كل الوضع، ومن ثم سيلجأ الكيان الصهيوني إلى فرض حل للقضية الفلسطينية، يتّسم بإقامة نظام عنصري شديد على الشعب الفلسطيني، وقد يشبّهه البعض بالأبارتايد، أي وضع الفلسطينيين تحت نظام فصل عنصري مع الذل والتحكّم. وضمن هذه المعادلة، فلا يبقى للمشروع الوطني الفلسطيني للمرحلة القادمة، غير التحريض ضد نظام الفصل العنصري البشع، واللجوء إلى التمسّك بقرارات الشرعية الدولية لحل الدولتين.

هذه القراءة خاطئة، أولاً، لموازين القوى الراهنة في قطاع غزة، ولاستمرار المقاومة المسلّحة، وما ستسفر عنه الحرب البرّية، ليس لتجريد سلاح المقاومة، وإنما تكريس بقاء سلاح المقاومة، سواء باستمرار الوضع الراهن في المرحلة القادمة، أم الانتهاء باتفاق هدنة يكرّس بقاء سلاح المقاومة، وبقاء الأنفاق، والسيطرة على الأمن في غزة من خلال قوات أمنيّة تابعة لفصائل المقاومة، والقوى الوطنية والإسلامية.

أمّا من جهة أخرى، فإنّ «المشروع الوطني الفلسطيني» القادم (التسمية غير موفّقة) سيتشكّل على ضوء مواجهة استراتيجية المشروع الصهيوني (الكيان الصهيوني) الذي سيركّز على ضم الأرض وتهجير السكان، وليس على إقامة نظام عنصري، يأخذ شكل نظام أبارتايد، ونظام عنصري ضد الوجود الفلسطيني، أو ضد التعايش مع الشعب الفلسطيني، بأي شكل من الأشكال.

وأمّا من جهة ثالثة، فإنّ «المشروع الوطني» سيتشكّل على ضوء مواجهة سياسات التهجير والضمّ من خلال المقاومة. وهي سياسات لا يمكن أن تواجه إلا بألوان المقاومة المسلّحة، وما عرفته الشعوب من أشكالها، ولا سيما التجربة الفلسطينية نفسها التي عرفت أشكالاً من المقاومة المسلحة، مثلاً بالسكاكين أو بالذئاب المنفردة، أو كتائب المقاومة في جنين، و«عرين الأسود» في نابلس، أو كتيبة طولكرم في مخيم نور شمس، أو «كتائب عز الدين القسام»، و«سرايا القدس»، أو «كتائب شهداء الأقصى»، سواء في مراحلها الأولى أو الثانية.

ومن هنا يخطئ مَن يتصوّر أنّ كل أشكال المقاومة المسلحة انتهى زمانها بإطلاق. هذا ناهيك عن المقاومات الشعبية الاحتجاجية والانتفاضية. وأخيراً، سيرتكز الصراع بين المشروع الصهيوني والشعب الفلسطيني حول السؤال: فلسطين كل فلسطين لمن؟ وحق الوجود في فلسطين للشعب الفلسطيني، أم للمستوطنين غير الشرعيين، الذين أقاموا الكيان الصهيوني، واقتلعوا ثلثي شعبها، وأقاموا كيانهم فوق 78 في المئة من أرضها.

إنّ الوصول في المرحلة القادمة إلى طرح السؤال: فلسطين كل فلسطين لمن؟ وهو أساس القضية الفلسطينية منذ مشروع وعد بلفور 1917، ثم قرار التقسيم الرقم 181 لعام 1947، وما يرجع إلى المشروع الصهيوني، الاقتلاعي-الإحلالي، والتصعيد الراهن في سياسات التهجير، لكل الفلسطينيين، والعمل لجعل كل فلسطين، «الدولة القومية لكل يهود العالم»، هو المثال الصارخ على ما تقدّم.

إنّ سياسات قادة المشروع الصهيوني، الذين أحبطوا كل الحلول والقرارات الدولية، وصولاً إلى اتفاق أوسلو، كما حلّ الدولتين، أو حلّ الدولة الواحدة، أو حلّ نظام الفصل العنصري، أو أيّ نظام عنصري استغلالي للشعب الفلسطيني، لم تُبقِ هناك من احتمال غير استمرار الصراع حول «فلسطين لمن؟» ومَن الذي عليه أن يرحل؟ الشعب الفلسطيني لا رحل ولن يرحل. وانظروا نموذج فلسطينيي غزة، الباقين فيها والعائدين إليها.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن