في مشهد يتكرر في قرى الضفة الغربية، ارتقى الشاب أمير معتصم محمود عودة (28 عاماً) من بلدة قصرة جنوب مدينة نابلس شهيداً بعد إصابته برصاص مستوطنين، في حادثة جديدة تضاف إلى سلسلة متصاعدة من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
ويأتي استشهاد عودة بعد أقل من أسبوع على حادثة مشابهة في بلدة أبو فلاح شرق مدينة رام الله، حيث قتل ثلاثة فلسطينيين برصاص مستوطنين خلال هجوم مسلح على البلدة، في واحدة من أعنف الاعتداءات التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة.
تصاعد العنف في القرى الفلسطينية
تشير شهادات سكان في بلدة قصرة إلى أن مجموعة من المستوطنين اقتحمت أطراف البلدة وأطلقت النار باتجاه المواطنين، ما أدى إلى إصابة الشاب عودة بجروح خطيرة قبل أن يعلن عن استشهاده لاحقاً. وتعد قصرة واحدة من القرى التي تتعرض باستمرار لاعتداءات المستوطنين بسبب قربها من عدة بؤر استيطانية، حيث تتكرر الهجمات خلال مواسم الزراعة أو عند وصول الأهالي إلى أراضيهم الزراعية.
ويقول المواطن أحمد حسن (اسم مستعار)، وهو أحد الناجين من هجوم مشابه في قرية مجاورة جنوب نابلس، إن المستوطنين غالباً ما يهاجمون القرى بشكل مفاجئ. ويضيف: "كنا نعمل في أرضنا عندما اقتربت مجموعة مسلحة من المستوطنين، وبدأوا بإطلاق النار في الهواء ثم باتجاهنا. اختبأنا خلف الصخور حتى انسحبوا".
ويشير إلى أن الأهالي يعيشون حالة دائمة من الخوف، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات، حيث تتكرر الهجمات دون قدرة القرى على حماية نفسها.
أرقام مقلقة
وتعكس هذه الحوادث اتجاهاً متصاعداً في عنف المستوطنين خلال السنوات الأخيرة. فقد سجلت مؤسسات فلسطينية ودولية آلاف الاعتداءات ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية.
وبحسب تقارير متابعة، فقد نفذ الجيش الإسرائيلي والمستوطنون نحو 24 ألف اعتداء على الفلسطينيين خلال عام 2025، شملت إطلاق نار واعتداءات جسدية وإحراق منازل ومركبات وقطع أشجار زيتون.
كما وثقت الأمم المتحدة أرقاماً قياسية في عدد الهجمات، إذ شهد شهر واحد فقط عام 2025 264 هجوماً من المستوطنين، وهو أعلى رقم يسجل منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات عام 2006.
ومنذ اندلاع الحرب في المنطقة أواخر عام 2023، قتل ما لا يقل عن 27 فلسطينياً على يد مستوطنين في الضفة الغربية، في ظل نُدرة محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، إذ تنتهي غالبية التحقيقات دون توجيه اتهامات.
سياسة ممنهجة
من جهته، يرى رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان أن تصاعد اعتداءات المستوطنين ليس حوادث فردية، بل يأتي ضمن سياسة منظمة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
ويقول شعبان إن "ما يجري في الضفة الغربية هو جزء من سياسة استعمارية ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استيطاني بالقوة"، مضيفاً أن الاعتداءات تترافق مع توسع استيطاني متسارع ومحاولات للسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية.
وأشار إلى أن القرى الفلسطينية الواقعة قرب المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية أصبحت هدفاً دائماً لهجمات المستوطنين، سواء عبر إطلاق النار أو الاعتداء على المزارعين أو إحراق الممتلكات.
خوف دائم
ويقول سكان في قرى شمال الضفة إن الاعتداءات لم تعد تقتصر على ساعات الليل أو المناطق الزراعية، بل باتت تصل إلى أطراف القرى وأحياناً داخلها، ما يخلق حالة من التوتر الدائم بين الأهالي.
ويؤكد أحد المزارعين من جنوب نابلس أن كثيراً من الأهالي باتوا يترددون في الوصول إلى أراضيهم خشية التعرض لهجوم مسلح. ويضيف: "الأرض هي مصدر رزقنا، لكننا نذهب إليها ونحن نعرف أن هناك خطراً في أي لحظة".
واقع يتكرر
في ظل هذه الظروف، تبدو حادثة استشهاد الشاب أمير عودة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات والاعتداءات التي تعيشها القرى الفلسطينية، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات.
ومع استمرار تصاعد الهجمات وتوسع النشاط الاستيطاني، يحذر مراقبون من أن الضفة الغربية قد تشهد مزيداً من العنف خلال الفترة المقبلة، ما لم يتم وضع حد لاعتداءات المستوطنين ومحاسبة المسؤولين عنها.
وبينما يشيّع الفلسطينيون شهيداً تلو الآخر، تبقى القرى الفلسطينية في مواجهة مفتوحة مع واقع أمني هش، حيث تتحول الحقول والطرقات الريفية في كثير من الأحيان إلى ساحات خطر يومي يهدد حياة السكان.
