لم ينهض بعد قطاع غزة من النكبة التي ألمّت به بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه، التي استمرّت أكثر من عامَين منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والتي وُصفت بأنّها حرب إبادة وبأنّها حرب على الأطفال، فالاحتلال ما زال يحاصر الفلسطينيين فيه وسط أزمة إنسانية كبرى نتيجة النزوح وتدمير المنظومة الصحية والبنى التحتية باختلافها. ووسط ذلك، تكشف الأمم المتحدة عن ملامح أزمة صحة نفسية غير مسبوقة في فلسطين.
وتبيّن "أخبار الأمم المتحدة"، في تقرير أخير، أنّ بعد أكثر من عامَين من العنف المتواصل والنزوح والخسارة، يحتاج أكثر من مليون من أطفال قطاع غزة إلى دعم نفسي واجتماعي، استناداً إلى ما صرّحت به مسؤولة برنامج المراهقين والشبّان في صندوق الأمم المتحدة للسكان سيّما العلمي، في حين يشعر 96% منهم بأنّ الموت وشيك، الأمر الذي يعكس عمق الخوف والصدمة التي يعيشونها يومياً.
وترسم العلمي صورة قاتمة، تدعّمها ببيانات مقلقة، وفقاً لتقرير "أخبار الأمم المتحدة"، متحدّثةً عن خسائر نفسية حادة بين المراهقين والشبّان، الذين يُصار إلى تجاهلهم في الأزمات الإنسانية. وتشدّد على أنّ ما يُسجَّل "ليس مجرّد ضائقة نفسية، إنّما حالة طوارئ صحية نفسية واسعة النطاق". وتوضح أنّ نحو 61% من هؤلاء يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق. وتشير من جهة أخرى، وهي تصف الأمر بـ"المقلق"، إلى أنّ "واحداً من بين كلّ خمسة بالغين يفكّرون في الانتحار بصورة شبه يومية".
في سياق متصل، تحذّر الأمم المتحدة من أنّ الفتيات الفلسطينيات هنّ الأكثر ضعفاً وسط المعاناة القائمة، إذ تتزايد المخاطر التي تواجههنّ، خصوصاً مع عودة تزويج القاصرات وارتفاع معدّلات الحمل المبكّر، في ظلّ انهيار الخدمات الأساسية وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وتشرح أنّ زواج الأطفال في قطاع غزة عاد إلى التزايد بصورة حادة؛ فبعدما كانت النسب قد انخفضت من 25.5% في عام 2009 إلى 11% في عام 2022، عادت لترتفع مع معاناة العائلات من أجل البقاء.
وتبيّن دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان أخيراً أنّ 71% من الأشخاص المستطلعة آراؤهم في قطاع غزة أفادوا بزيادة الضغط عليهم لتزويج فتيات دون 18 عاماً. وفي مدّة رصد قصيرة فقط، أُصدرت أكثر من 400 رخصة زواج لفتيات تتراوح أعمارهنّ بين 14 عاماً و16 في محاكم الطوارئ، وهي أرقام يُرجّح أنّها أقلّ ممّا هو مسجَّل في الواقع.
غزة: 10% من الحوامل قاصرات
وتوضح مسؤولة برنامج المراهقين والشبّان في صندوق الأمم المتحدة للسكان أنّ "ثمّة عائلات في قطاع غزة ترى في الزواج استراتيجية للبقاء في ظلّ النزوح والفقر وانعدام الأمن"، في حين يظنّ آخرون أنّ من شأن ذلك أن يوفّر الحماية في ملاجئ النازحين المكتظة أو يساعد في التخفيف من المصاعب الاقتصادية الناجمة عن انهيار سبل العيش في القطاع.
وتلفت العلمي إلى أنّه في عام 2025، كانت نحو 10% من حالات الحمل المسجّلة حديثاً في قطاع غزة بين فتيات مراهقات، وهي زيادة ملحوظة مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب. يأتي ذلك بالتزامن مع تراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية بصورة كبيرة، ولا سيّما أنّ 15% فقط من المرافق الصحية في قطاع غزة تقدّم، في الوقت الراهن، خدمات التوليد الطارئة ورعاية حديثي الولادة، الأمر الذي يزيد من خطر حدوث مضاعفات للأمهات الشابات ومواليدهنّ.
وتحذّر الأمم المتحدة، في هذا الإطار، من أنّ زواج الأطفال يعرّض الفتيات للعنف. وتشرح العلمي أنّ "ثمّة أدلة تشير إلى أنّ 63% من الفتيات اللواتي تزوّجنَ في سنّ مبكّرة تعرّضن لعنف جسدي أو نفسي أو جنسي". كذلك تشير التقارير إلى ارتفاع معدلات الطلاق وانتشار الضيق النفسي الشديد بين القاصرات المتزوّجات، مع العلم أنّ العواقب تصل في الحالات القصوى إلى حدّ تهديد الحياة.
وتبيّن مسؤولة برنامج المراهقين والشبّان في صندوق الأمم المتحدة للسكان أنّ "أكثر من 100 حالة انتحار أو محاولة انتحار وُثّقت بين الناجيات من العنف"، مؤكدةً أنّ زواج الأطفال نوع من أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي.
الضفة الغربية: شعور دائم بانعدام الأمن
وفي حين تتمركز الأزمة الكبرى في قطاع غزة المنكوب بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرّت أكثر من عامَين، فإنّ الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة تشهد تدهوراً بدورها. وبحسب تقرير "أخبار الأمم المتحدة" نفسه، أدّى تصاعد العنف والعمليات العسكرية وهجمات المستوطنين إلى نزوح بين الفلسطينيين هناك، ولا سيّما في مخيمات اللاجئين، فيما أدّت قيود الحركة وإغلاق نقاط التفتيش إلى تعطيل الحياة اليومية وإجبار مدارس كثيرة على إغلاق أبوابها.
وتفيد مسؤولة برنامج المراهقين والشبّان في صندوق الأمم المتحدة للسكان سيما العلمي بأنّ الأطفال والشبّان يعيشون تحت ضغط مستمرّ في الضفة الغربية، موضحةً أنّهم "يواجهون الخوف من المداهمات، وقيود الحركة، وعدم اليقين بشأن سبل العيش والحصول على الخدمات"، وتشدّد على أنّ كلّ ذلك يتسبّب في "قلق مزمن وشعور متواصل بانعدام الأمن". وتحذّر من احتمال أن تكون لكلّ هذه الضغوط عواقب طويلة الأمد، فتؤثّر سلباً على السلوك والصحة النفسية حتّى مرحلة البلوغ. ولا تخفي العلمي أنّ ثمّة شبّاناً يفكّرون في مغادرة فلسطين نهائياً.
وتوضح العلمي، وفقاً لما ينقله تقرير "أخبار الأمم المتحدة" الأخير، أنّ عائلات كثيرة في قطاع غزة كما في الضفة الغربية تمنح البقاء على قيد الحياة أولويّةً على حساب الصحة النفسية"، لكنّ المسؤولة الأممية تشدّد على الحاجة إلى استجابات متكاملة تربط الدعم النفسي والاجتماعي بخدمات الغذاء والصحة والتعليم. وتلفت إلى أنّ التحديات كبيرة، فالنزوح ومحدودية الموارد والظروف القاسية، خصوصاً في قطاع غزة، ما زالت تعرقل عمليات الأمم المتحدة الخاصة بالصحة النفسية وكذلك بالاستجابات متعدّدة القطاعات للعنف القائم على النوع الاجتماعي.
