لم يكن "جواد"، الذي لم يُتمّ عامه الثاني بعد، يدرك أن نزهته القصيرة مع والده لشراء بعض الاحتياجات ستنتهي بثقوب في جسده الصغير. في شرق مخيم المغازي، حيث يختلط غبار الأرض برائحة الموت، تحوّل هذا الرضيع من طفل يلهو إلى "أداة تعذيب" في يد جيش الاحتلال، في واقعة هزّت ما تبقى من ضمير في هذا العالم.
بدأت المأساة حين خرج الشاب أسامة أبو نصار، المثقل بآلامه النفسية بعد فقدان "حصانه" الذي كان يعيل به أسرته، مصطحباً طفله لكسر حدة الحزن. لكنّ الرصاص كان أسرع من خطواتهما. فجأة، حاصرت طائرة "كواد كابتر" الأب وابنه، وبأوامر آلية قاسية، أُجبر أسامة على ترك طفله وحيداً على التراب والتقدم نحو الحاجز العسكري.
هناك، جُرّد الأب من ملابسه ومن كرامته الإنسانية، لكنّ المشهد الأصعب كان لا يزال قيد التنفيذ.
تحت شمس غزة الحارقة، وبدل أن يكون التحقيق بالكلمات، كان بالصرخات. احتجز الجنود الرضيع "جواد" أمام عيني والده المكبّل. وبحسب شهادات ميدانية مروعة، بدأ الجنود بانتزاع "اعترافات" من الأب عبر جسد طفله؛ أطفأوا سجائرهم في جلده الغض، وغرسوا مسماراً حديدياً في ساقه الصغيرة.
كانت صرخات جواد تخترق سكون المنطقة، بينما كان والده يشاهد عجزه يتجسد في دموع طفله، في مشهد تجاوز كل حدود القسوة البشرية.
ندوب لا تُمحى
"عذّبوا طفلي أمام أبيه.. أطفأوا السجائر في جسده"، بهذه الكلمات المجبولة بالقهر، تحدثت والدة جواد في مقطع فيديو تداوله نشطاء، وهي تشير إلى آثار النخز والتعذيب التي وثقها تقرير طبي لاحقاً.
لم تعد قصة جواد مجرد بلاغ عن انتهاك حقوق إنسان، بل أصبحت رمزاً لواقع مرير يعيشه سكان المناطق الحدودية في قطاع غزة، حيث يتحول المدنيون، حتى الأطفال الرضع منهم، إلى رهائن في عمليات تحقيق ميدانية لا ترحم.
اليوم، عاد جواد إلى حضن أمه، لكن جسده يحمل ندوباً ستبقى شاهدة على لحظات "سادية" استهدفت طفولة لم تقترف ذنباً سوى أنها ولدت في غزة.
