17.23°القدس
16.99°رام الله
16.08°الخليل
21.06°غزة
17.23° القدس
رام الله16.99°
الخليل16.08°
غزة21.06°
الخميس 09 ابريل 2026
4.13جنيه إسترليني
4.36دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.6يورو
3.09دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.13
دينار أردني4.36
جنيه مصري0.06
يورو3.6
دولار أمريكي3.09

تقارير "فلسطين الآن"..

غزة بين أنياب الإبادة ومخالب الأوبئة... "جيوش خفية" تغزو خيام النازحين

خاص - فلسطين الآن

في بقعةٍ ضاقت بأهلها حتى صار الموت فيها يتخذ ألف شكلٍ ولون، لم تعد الصواريخ وحدها هي التي تترصد الغزيين؛ فخلف غبار الركام وفي ثنايا الخيام المهترئة التي نصبت على عجل فوق رمال دير البلح وشواطئ القطاع، استيقظ عدوٌ قديم جديد ينهش ما تبقى من جسد الصمود الفلسطيني.

وعلى الرغم من الإعلانات المكررة عن "وقف إطلاق النار" التي لم تكن سوى حبر على ورق أمام آلة القتل المستمرة منذ أكتوبر الماضي، يواجه النازحون اليوم "نكبة بيئية" لا تقل ضراوة عن القصف.

فبينما يراقب العالم خرائط القتال، تشكلت في غزة خرائط أخرى للأوبئة؛ جيوش من الجرذان الضخمة، والفئران التي لم تعد تخشى الضوء، وحشرات غريبة مشوهة بفعل التحلل البيئي، باتت تشارك النازحين فراشهم وطعامهم المتشح بالفقر.

هذه الكارثة ليست مجرد صدفة طبيعية، بل هي نتاج مباشر لانهيار المنظومة الخدماتية، وتراكم آلاف الأطنان من النفايات، واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، مما جعل من خيام النازحين بيئة مثالية لتكاثر كائنات تنقل الموت الصامت عبر عضاتها وفضلاتها، ليعيش الغزي في صراع وجودي مركب: عينٌ ترقب السماء خوفاً من الغارات، وعينٌ ترقب الأرض حذراً من زحف القوارض.

انهيار المنظومة البيئية

وأكد الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن ما يحدث في غزة هو انهيار كامل للمنظومة الصحية والبيئية، حيث تعجز الطواقم البلدية عن الوصول إلى مكبات النفايات الرئيسية بسبب التدمير الممنهج للطرق والاستهداف المباشر للآليات. النفايات تتراكم الآن في الشوارع وبين مراكز الإيواء بكميات تجاوزت الـ 100 ألف طن، مما حول التجمعات السكانية إلى بؤر عملاقة لتوالد الحشرات والقوارض التي لم يسبق للقطاع رؤيتها بهذه الكثافة والعدائية

وأشار مهنا في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن بلدية غزة وكافة بلديات قطاع غزة فقدت القدرة على السيطرة على انتشار الجرذان والحشرات بسبب نفاد المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية اللازمة لتعقيم المكبات العشوائية، مبيناً أن الحصار المطبق ومنع دخول المستلزمات الأساسية جعل من محاولات المكافحة التقليدية أمراً مستحيلاً، في وقت تزداد فيه شراسة هذه القوارض التي باتت تهاجم المواطنين وتتسبب في أضرار جسدية ومادية كبيرة وسط غياب اللقاحات والأدوية اللازمة.

وأوضح الناطق باسم بلدية غزة، أن اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار والنفايات الصلبة أدى إلى ظهور سلالات من الحشرات الغريبة التي تجد في هذه المستنقعات بيئة خصبة، مؤكداً أن هذا التدهور لا يهدد فقط بانتشار الأوبئة الجلدية والمعوية، بل يؤدي إلى تآكل أساسات ما تبقى من مبانٍ بفعل الحفر المستمر للجرذان، مما يزيد من احتمالية حدوث كوارث إضافية فوق الكوارث القائمة.

وختم مهنا حديثه، بتوجيه صرخة للمجتمع الدولي، مؤكداً أن الصمت حيال هذه الكارثة البيئية هو مشاركة في قتل النازحين ببطء. إن المطلوب ليس فقط وقف العدوان، بل إدخال عاجل للآليات الثقيلة، والمبيدات الحشرية، والوقود اللازم لترحيل النفايات بعيداً عن مراكز السكن، وإلا فإن غزة مقبلة على موجة من الأوبئة الفتاكة التي لن تعرف حدوداً جغرافية.

حياة تحت رحمة القوارض

ويقول أبو محمد أحد النازحين في مخيمات الإيواء بمدينة دير البلح بمرارة: "هربنا من القصف لنواجه وحوشاً لا تنام". ويصف كيف أن الجرذان باتت تقاسمه هو وأطفاله الخيمة، حيث تخرج ليلاً بأعداد مرعبة لتنهش الملابس والأغطية، وحتى أكياس الطحين القليلة التي يحصلون عليها بشق الأنفس. الخوف لم يعد من غارة جوية فحسب، بل من صرخة طفل في منتصف الليل تعرض لعضة جرذ أو لدغة حشرة لا يعرفون لها اسماً.

ويتحدث أبو محمد لمراسل "فلسطين الآن"، عن محاولاتهم اليائسة لحماية أطفالهم، مبيناً أنهم يضطرون للسهر بالتناوب لمراقبة مداخل الخيمة المصنوعة من القماش المهترئ. "لا نملك سموماً ولا مصائد، وحتى الطرق التقليدية لم تعد تنفع مع هذه الجرذان الضخمة التي تبدو وكأنها اعتادت على كل شيء"، يضيف أبو محمد، مشيراً إلى أن الحشرات الغريبة تتساقط من سقف الخيمة وتسبب حساسية جلدية شديدة لأبنائه لا يجد لها علاجاً في النقاط الطبية المزدحمة.

ويصف النازح الذي ترك منزله في شمال قطاع غزة قسراً، الوضع المحيط بالخيام في دير البلح، حيث تحاصرهم برك المياه العادمة وتلال النفايات التي تفوح منها روائح الموت والتحلل. هذه البيئة جعلت من الخيمة مكاناً غير صالح للحياة الآدمية، لكن "أين نذهب؟" يتساءل أبو محمد، مؤكداً أن رائحة القاذورات تجذب المزيد من الحشرات التي لم يروها من قبل، والتي تترك آثاراً مؤلمة ومشوهة على جلود الأطفال.

ويرى أبو محمد أن الحديث عن وقف إطلاق النار هو مجرد وهم، فالمعاناة اليومية مع هذه "الجيوش الزاحفة" هي حرب استنزاف لا تتوقف. "العالم يظن أننا بخير لأننا لم نمت بالقصف، لكننا نموت كل يوم ألف مرة من القرف والمرض والخوف على أطفالنا من أن تلتهمهم الجرذان وهم نيام"، هكذا يختصر مأساته في ظل الصمت المطبق عما يحدث في مخيمات النزوح.

الأمراض الجلدية الغامضة

وتروي أم خالد كيف تحولت ليلتها إلى كابوس مستمر، حيث تضطر لتغطية وجوه أطفالها بالكامل رغم الحرارة الشديدة خوفاً من القوارض. "في إحدى الليالي استيقظت على صراخ ابني الصغير لأجد جرذاً يقف على صدره"، تقول أم خالد بدموع محبوسة، مؤكدة أن هذه الكائنات باتت أكثر جرأة وتدخل الخيام دون خوف، باحثة عن أي شيء لتأكله في ظل الندرة الشديدة للغذاء.

وتشكو أم خالد في حديثها لمراسل "فلسطين الآن"، من ظهور تقرحات غريبة على أجساد أطفالها لم تكن تعرفها من قبل، وتظن أنها ناتجة عن لسعات حشرات "عجيبة" تخرج من رمال المخيم. في ظل غياب المياه النظيفة للاستحمام والصابون، تتفاقم هذه الإصابات لتصبح جروحاً ملتهبة، بينما تفتقر الصيدليات الميدانية لأبسط المراهم أو المضادات الحيوية، مما يجعلها تقف عاجزة أمام أنين أطفالها.

وتشير إلى أن انتشار الجرذان والحشرات دمر ما تبقى من كرامة النازح، حيث لم يعد هناك مكان آمن لتخزين الطعام أو الملابس. كل شيء معرض للتلف والتلوث بفضلات القوارض، مما يضطرهم للتخلص من حصصهم التموينية القليلة التي أصابها التلوث، وهو ما يزيد من جوعهم ومعاناتهم في ظل الغلاء الفاحش وصعوبة الحصول على بدائل.

وتختتم أم خالد حديثها بمناشدة كل ضمير حي بالنظر إلى حال النساء والأطفال في الخيام. "نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط بيئة نظيفة نعيش فيها بكرامة، نريد مبيدات لهذه القوارض، ونريد أن ننام ليلة واحدة دون أن نفكر في الحشرات التي تزحف فوق رؤوسنا"، مؤكدة أن كارثة الجرذان هي الوجه الآخر للحرب التي تهدف إلى تحطيم إرادة الإنسان الفلسطيني وإذلاله.

المصدر: فلسطين الآن