بعد انتهاء العملية الانتخابية في الهيئات المحلية في الضفة الغربية، التي جرت السبت الماضي في ظل ظروف استثنائية، ورافقها تراجع ملحوظ في حجم التنافس والإقبال على التصويت، برزت سلسلة من المخالفات التي طاولت سير العملية الانتخابية، بينها ما نُسب إلى جهات رسمية.
وتستند هذه المعطيات إلى رصدٍ رقابي جرى خلال فترة الدعاية الانتخابية الممتدة من العاشر من شهر إبريل/ نيسان الحالي، حتى مساء الثالث والعشرين منه، وكشف عن جملة خروقات أثارت تساؤلات عن مدى الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
وفيما وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 53.4 بالمائة من إجمالي المقترعين، وعددهم مليون و29550 ناخباً، أظهرت الأرقام الرسمية أن العملية الانتخابية جرت في 183 هيئة من أصل 380، حيث اعتُبرت 197 هيئة فائزة بالتزكية نتيجة عدم الترشح إلا من قائمة واحدة (وغالباً كانت هذه القوائم تتبع لحركة فتح كما هو في مدينتي رام الله ونابلس). وبرزت، بشكل خاص، خروقات ارتبطت بـ"الجهات الرسمية الفلسطينية" خلال العملية الانتخابية.
وينصّ قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية، الصادر بقرار عن الرئيس محمود عباس (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) في المادة الـ29، على "عدم القيام بأعمال الدعاية الانتخابية في دور العبادة أو بجوار المشافي أو في الأبنية والمحلات التي تشغلها الإدارات الحكومية أو المؤسسات العامة"، غير أنّ نظام العقوبات في القانون لم يتطرق إلى هذه المحظورات.
وفي سياق توثيق المخالفات المرافقة للعملية الانتخابية، يقول مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية (جهة رقابية على الانتخابات)، عارف جفّال، إن "من أبرز هذه المخالفات ما رافق الدعاية الانتخابية من مشاركة بعض الوزراء والمحافظين في الترويج لقوائم معيّنة (تابعة لحركة فتح)، في مخالفة صريحة لقانون الانتخابات"، مشيراً إلى تسجيل دعايات انتخابية داخل المساجد، معتبراً ذلك استغلالاً لدور العبادة.
ويوضح جفّال أن المرصد وثّق استخداماً غير قانوني لشعار لجنة الانتخابات المركزية على صورة أحد المرشحين في محافظة الخليل، وهو ما يُعد مخالفة صريحة نظراً لكون اللجنة جهة محايدة، ولا يجوز توظيف شعارها في الدعاية الانتخابية، أسوة بشعار السلطة الفلسطينية.
كذلك رصد المرصد عبر 441 مراقباً في الضفة الغربية وقطاع غزة استخدام مركبات عمومية، بينها سيارات تحمل لوحات حكومية، في حملات انتخابية لمصلحة مرشحين، كما حدث في محافظة جنين. كذلك وُثِّق ظهور عناصر من الأجهزة الأمنية بلباسهم العسكري خلال فعالية مرتبطة بإطلاق حملة انتخابية، مع نشر صور ذلك علناً في أكثر من منطقة انتخابية بمختلف محافظات الضفة.
ويضاف إلى ذلك، رصد ممارسات مخالفة تجري بصورة غير مباشرة يصعب إثباتها رسمياً، من بينها تمزيق لافتات انتخابية من مؤيدين لقوائم منافسة، إلى جانب ترويج شائعات بين القوائم المتنافسة، "مثل اتهام قائمة لأخرى بتلقي دعم من الإدارة المدنية للاحتلال"، وفق جفّال، الذي أوضح أن هذا النوع من الانتهاكات لا يُسجّل غالباً على أنه خروقات قانونية رغم حضوره الفعلي بشكل لافت.
وعلى صعيد التعامل مع هذه التجاوزات، بيّن جفّال أنه "جرى توجيه مطالبات لوزارة الداخلية بضرورة إبلاغ المحافظين بعدم التدخل في العملية الانتخابية، إلى جانب إبلاغ لجنة الانتخابات رسمياً بهذه الانتهاكات، التي بدورها تلفت نظر الحكومة إليها".
وأكد أن غياب عقوبات واضحة في القانون بحق القوائم المخالفة يشكّل ثغرة حقيقية تستلزم تدخلاً من الجهات المعنية.
ورداً على سؤال عن توصية المرصد لنتائج هذه الخروقات، يقول: "نوصي بضرورة منح لجنة الانتخابات صلاحيات لاتخاذ إجراءات رادعة بحقّ القوائم المخالفة، تصل إلى شطب القوائم في حال تكرار المخالفات، وقد أوصينا سابقاً بذلك، إلا أنّه لم يتم".
ويشير المتحدث ذاته إلى أن هذه الانتهاكات تستدعي تدخّلاً قانونياً.
وعبّر مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية عن استيائه من غياب آليات واضحة تمكّن لجنة الانتخابات من فرض عقوبات تدريجية على مثل هذه المخالفات، إذ إن بعضها يجب أن تعاقب عليها القائمة الممارسة للانتهاك بـ"حرمانها المشاركة في الانتخابات (...)، بحيث يجب أن تكون هناك ضوابط تضمن عدم التعسف، لكنها تتيح وقف أي قائمة تؤثر بنزاهة العملية الانتخابية".
أما مؤسسة "الحق" - القانون من أجل الإنسان، وهي جهة رقابية أخرى على الانتخابات المحلّية، فقد رصدت خلال يوم الاقتراع عدداً من المخالفات والانتهاكات التي أُحيلت إلى لجنة الانتخابات.
ومن أبرز هذه المخالفات، بحسب ما يقوله المستشار القانوني للمؤسسة أشرف أبو حيّة: "استمرار الدعاية الانتخابية بكثافة أمام مراكز الاقتراع وخارجها وفي محيطها، إلى جانب وجود بعض المرشحين داخل مراكز الاقتراع، وسلوكهم لبعض التصرفات المؤثرة بإرادة الناخبين، ومخالفات تحمل نوعاً من الاستغلال في التعامل مع الأميّين".
ويشير أبو حيّة إلى رصد عناصر من الأجهزة الأمنية داخل محيط عدد من مراكز ومحطات الاقتراع وهم يحملون السلاح، الأمر الذي ينعكس سلباً على البيئة المدنية الآمنة.
ويوضح أبو حيّة أن "السيطرة الكاملة على مجريات أي عملية ديمقراطية تُعد أمراً غير ممكن، إلا أن بعض الانتهاكات المسجلة تؤثر في سير العملية الانتخابية، بل قد تنعكس في بعض الحالات على نتائجها".
ومن بين أبرز القضايا التي برزت خلال الانتخابات في الضفة الغربية، بحسب أبو حيّة، مسألة ادعاء الأمية، التي استُخدمت في بعض الحالات مدخلاً للتأثير بإرادة الناخبين، من خلال اصطحاب أشخاص للتصويت نيابة عن آخرين.
ويلفت أبو حيّة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات لاحقة، منها رفع مستوى الوعي لدى المواطنين قبل إجراء الانتخابات في المرّات المقبلة، خصوصاً في ظل اعتماد نظام انتخابي جديد أدى إلى الوقوع بهذه الأخطاء، بحيث لم يؤخذ سابقاً بتوصيات المؤسسات المعنية.
كما يشير إلى تسجيل نسب ملحوظة من الأوراق الباطلة في بعض مراكز الاقتراع، نتيجة عدم إلمام الناخبين بآلية التصويت.
وتأكيداً لرصد المؤسسات الحقوقية المراقبة للانتخابات، يُقرّ مدير لجنة الانتخابات في الخليل، إبراهيم ديرية، بوقوع بعض التجاوزات خلال فترة الدعاية والاقتراع، من بينها "استخدام مقار أو مركبات عامة، إلا أنها بقيت ضمن نطاق محدود"، حيث جرى التعامل معها عبر تلقي الشكاوى ومتابعتها ميدانياً، والتواصل مع القوائم الانتخابية أو الجهات المعنية لوقف المخالفة ومنع تكرارها.
ويؤكد ديرية أن اللجنة تابعت هذه الحالات مباشرةً، سواء من خلال الشكاوى الواردة أو الرصد الميداني. وعن آلية المعالجة، يوضح المتحدث ذاته أنها تبدأ بالتنبيه والتواصل المباشر مع الجهات المخالفة، بهدف وقف التجاوز فوراً ومنع تكراره، وفي حال عدم الاستجابة أو تكرار المخالفة يمكن تحويل القضية إلى النيابة العامة، التي تحيلها بدورها إلى المحكمة المختصة، حيث ينص القانون على عقوبات قد تصل إلى الحبس أو الغرامة، غير أن أياً من الحالات الواردة أعلاه لم يصل إلى مرحلة المحاكم.
ويشير ديرية إلى أن "اللجنة تعتمد إرسال كتب رسمية إلى الجهات المعنية تلزمها بوقف المخالفة، إلى جانب المتابعة للتأكد من الالتزام، وفي بعض الحالات البسيطة يجري التعامل المباشر دون الحاجة لمراسلات رسمية".
وفي ما يتعلق بملاحظات بعض المؤسسات الحقوقية حول وجود عناصر أمنية مسلّحة داخل محيط المراكز، يوضح مدير لجنة الانتخابات في الخليل أن وجود الشرطة بالسلاح يقتصر على مداخل مراكز الاقتراع، باعتباره جزءاً من مهامها القانونية في تأمين العملية الانتخابية. أما بشأن استخدام الموارد العامة، فيلفت إلى أن الحالات المسجلة جرى التعامل معها ضمن الأطر القانونية والإجرائية المعمول بها.
