في مشهد أعاد للأذهان فصولًا متكررة من النزوح داخل قطاع غزة، ألقت طائرات الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر مايو/أيار 2024 مناشير ورقية فوق مناطق شرق مدينة رفح، تدعو السكان إلى الإخلاء الفوري والتوجه نحو ما سُمّي بـ"المنطقة الإنسانية" في المواصي جنوب غرب القطاع، بالتزامن مع تصعيد عسكري دفع آلاف العائلات إلى النزوح مجددًا في ظروف إنسانية قاسية.
ويأتي هذا المشهد ضمن سياق أوسع امتد على مدار عامين كاملين، شكّل خلالهما نزوح وإخلاء رفح واحدة من أكثر المحطات قسوة في حياة آلاف العائلات الفلسطينية، التي اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت وطأة القصف والخطر المستمر، بحثًا عن الأمان الذي لم يكن متوفرًا في أي مكان.
ولم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل كان اقتلاعًا مؤلمًا من الجذور، حمل معه فقدان الاستقرار، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتراكم الأزمات الإنسانية.
"بحثنا عن الأمان.. فلم نجده"
بهذه الكلمة المثقلة يصف الحاج الثمانيني أبو أحمد أبو طه الذي لم يتوقع أن يعاد في ذهنه أن يخرج من موطنه مرة أخرى ففي عام 1948 هجر الاحتلال الفلسطينيين من قراهم وبلداتهم في فلسطين المحتلة واليوم أعاد نفس المشهد.
ويضيف خلال حديثه لـ"فلسطين الآن"، "اتينا إلى هنا كونها منطقة إنسانية آمنة، ولكن الحقيقة كانت خلاف ذلك القصف لم يقف طوال هذه الفترة والخوف كان رفيقنا".
شهادة تتكرر على ألسنة كثيرين، ممن وجدوا أنفسهم في بيئة لا تقل خطورة عن المناطق التي نزحوا منها، وسط مخاوف دائمة من التصعيد.
داخل هذه الخيام، وفي أحد مخيمات النزوح تواجه العائلات تحديات يومية قاسية، من نقص المياه الصالحة للشرب أو غيرها والغذاء إلى غياب الخدمات الأساسية.
امرأة تعيل أطفالها بعد أن فقدت زوجها خلال المساعدات الأمريكية مثقلة بحملها تصف حياتها قائلة "الخيمة صغيرة، والحر في الصيف لا يُحتمل، والبرد بالشتاء بيكسرالعظم، غير الحشرات والقوارض، والأطفال دايمًا مرضانين".
وتضيف هذا الواقع يزداد تعقيدًا مع الاكتظاظ الشديد، وافتقار المخيمات لأدنى مقومات الحياة الصحية.
وختمت حديثها "بعنا كل شيء لنعيش اليوم ما معنا شيء بعد استشهاد زوجي الذي ذهب ليحضر لنا بعض الدقيق لنستطيع أن مطعم أطفالنا ولكن حدث ما لم يكن في البال، والآن لو أردنا أن نتحرك، ما عنا لا مصاري ولا مكان نروح له".
عودة طال انتظارها
مع دخول الهدنة حيّز التنفيذ في يناير 2024، بدأت مشاهد العودة تتشكل في مدينة رفح، حيث تدفقت آلاف العائلات التي نزحت سابقًا إلى منطقة المواصي، حاملة ما تبقى من متاعها، وأملًا كبيرًا باستعادة حياتها بعد نحو عاما من الغياب القسري.
ومنذ الإعلان عن الهدنة، لم تتردد العائلات في شدّ الرحال نحو رفح، رغم غياب الترتيبات الكاملة لعودة آمنة أو مستقرة.
ويقول أحد العائدين إلى رفح "لم تنتظر كثير لاتخاذ قرار العودة، مجرد أن دخلت الهدنة حيز التنفيذ رجعنا، وقررنا أن نكون بين أهلنا وبيوتنا، حتى لو كانت مهدمة".
فرحة العودة لم تدم طويلا بل كانت "صدمة الواقع"، إذ اصطدم الأهالي بحجم الدمار الذي طال أرجاء المدينة أحياء كاملة تحولت إلى ركام وبنية تحتية شبه مُنهارة، ما جعل العودة أقرب إلى مواجهة جديدة من المعاناة.
"ظروف لا تليق بالحياة الإنسانية"
تجربة النزوح إلى منطقة المواصي خلال العامين الماضيين شكّلت واحدة من أصعب المراحل التي عاشها السكان، حيث أن آلاف العائلات واجهت ظروفًا إنسانية بالغة القسوة في ظل نقص الموارد واستمرار المخاطر.
يقول أحد المسؤولين في بلدية رفح، "ما عاشه النازحون في المواصي كان يفوق قدرة أي إنسان على التحمل، خيام مُكتظة، نقص حاد في المياه، وغياب شبه كامل للخدمات الأساسية".
وأوضح أن البنية التحتية في المنطقة لم تكن مهيأة لاستقبال هذا العدد الكبير من السكان، ما أدى إلى تفاقم الأزمة منذ الأيام الأولى للنزوح.
وأشار إلى الجانب الصحي من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة الظروف البيئية الصعبة، مضيق أن الإمكانيات الطبية المحدودة زادت من صعوبة التعامل مع هذه الحالات.
إرهاق نفسي واجتماعي كبير
وفي ذات السياق أكد أستاذ الصحة النفسية عبد الفتاح الهمص خلال حديثه لـ"فلسطين الآن"، بأن "الآثار النفسية والاجتماعية لعامين من النزوح من رفح لا تقل خطورة عن الأضرار المادية، بل قد تكون أكثر عمقًا واستمرارًا، وبين القلق المستمر والضغط الاجتماعي، يواجه النازحون تحديًا كبيرًا في استعادة توازنهم النفسي وإعادة بناء حياتهم من جديد".
ونوّه الهمص إلى أن "العيش في خيام مُكتظة فرض واقعًا اجتماعيًا جديدًا، حيث تلاشت الحدود الخاصة بين العائلات، وازداد الاحتكاك اليومي، وأن الاكتظاظ وغياب الخصوصية خلقا توترًا داخل المخيمات وظهرت مشاكل اجتماعية نتيجة الضغط المستمر على الناس".
وأشار خلال حديثه أنه "بعد عامين من النزوح، تحوّل الوضع إلى حالة استنزاف نفسي طويل الأمد، حيث يشعر كثيرون بالإرهاق وفقدان القدرة على التكيّف، في ظل غياب أفق واضح للحل".
وختم حديثه قائلاً "بين القلق المستمر ومحاولات الصمود، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة بناء الإنسان، قبل إعادة بناء المكان".
وفي ظل غياب حلول دائمة، تبقى معاناة سكان رفح نموذجًا حيًا للأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، حيث لا يزال المدنيون يدفعون الثمن الأكبر بين إخلاء مدينتهم وواقع يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وبين أنقاض المنازل ومحاولات إعادة الاستقرار، تعكس عودة الأهالي إلى رفح قصة صمود ممزوجة بالألم، إذ لم تكن أمنيتهم العودة بعد عامين من النزوح نهاية للمعاناة، بل بداية طريق شاق نحو استعادة ما فُقد، في انتظار أن تتحول الهدنة إلى واقع دائم يفتح باب الحياة من جديد.
