22.23°القدس
21.99°رام الله
21.08°الخليل
25.89°غزة
22.23° القدس
رام الله21.99°
الخليل21.08°
غزة25.89°
الأحد 17 مايو 2026
3.89جنيه إسترليني
4.12دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.39يورو
2.92دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.89
دينار أردني4.12
جنيه مصري0.06
يورو3.39
دولار أمريكي2.92

حرب الإبادة تسحق الطبقة الوسطى في غزة

Capture5.JPG
Capture5.JPG

دفعت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة آلاف الأسر الفلسطينية، خاصة من الطبقة الوسطى، إلى دائرة الفقر والعوز بعد فقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. ومع استمرار تداعيات الحرب، تواجه هذه الفئة التي اعتمدت لسنوات على الوظائف والأعمال الصغيرة تآكلاً سريعاً في مدخراتها وعجزاً متزايداً عن تأمين الاحتياجات الأساسية.


ومع تدمير القطاعات الاقتصادية والإنتاجية واستهداف المصانع والمنشآت التجارية والمطاعم والشركات إلى جانب منع آلاف العمال والموظفين من الالتحاق بأعمالهم، دخلت غزة مرحلة اقتصادية خانقة عنوانها البطالة وانعدام السيولة.

كما أسهمت سياسة تقطير السلع ومنع إدخال البضائع لفترات طويلة في خلق حالة من التجويع الممنهج أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل تجاوز قدرة الأسر المتوسطة على الاحتمال، لتتحول تدريجياً من فئة قادرة على تدبر احتياجاتها إلى فئة تنتظر المساعدات الإنسانية والتكايا.

من الاستقرار إلى البطالة
بدوره، يقول الفلسطيني محمد شبير، وهو أب لسبعة أفراد، إنه كان قبل الحرب يعيش حياة مستقرة نسبياً بفضل عمله "شيفاً" في أحد مطاعم شمال قطاع غزة، حيث كان يتلقى راتباً شهرياً يبلغ 1600 شيكل (الدولار= 2.9)، وهو مبلغ كان يكفيه لتأمين احتياجات أسرته الأساسية في ظل الأسعار التي كانت سائدة قبل الحرب.
ويوضح شبير أن الحياة لم تكن مرفهة لكنها كانت مستقرة، وكان قادراً على شراء الطعام ودفع الالتزامات اليومية من دون الحاجة إلى الاستدانة أو انتظار المساعدات.

ويضيف: "كل شيء تغير بعد اندلاع الحرب، حين تعرض المطعم الذي كان يعمل فيه للقصف والتدمير الكامل، ليفقد مصدر دخله الوحيد خلال أيام قليلة"، مشيراً إلى أن البطالة الواسعة التي ضربت القطاع جعلت العثور على فرصة عمل جديدة أمراً شبه مستحيل. ويؤكد أن أسرته أصبحت تعتمد بشكل أساسي على المساعدات المحدودة التي تصل بين الحين والآخر.

وأنهى شبير حديثه بالقول: "حتى لو عاد الراتب نفسه فإنه فعلياً لا يساوي ربع قيمته قبل الحرب بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار، فأبسط الاحتياجات الغذائية أصبحت تحتاج إلى مبالغ مضاعفة، بينما لا تتوفر أي مصادر دخل حقيقية تمكن الأسر من الصمود".

وتجدر الإشارة إلى أن الأسر التي كانت قبل الحرب قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية والحفاظ على حد أدنى من الحياة الكريمة، أصبحت اليوم عاجزة عن شراء الطعام أو توفير الاحتياجات اليومية، في واحدة من أقسى التحولات الاجتماعية والاقتصادية.


أما الفلسطينية عبير حسني، فتقول إن الحرب لم تسلبها فقط الاستقرار الاقتصادي بل فقدت خلالها زوجها الذي كان يعمل مهندساً في إحدى شركات القطاع الخاص، تاركاً خلفه خمسة أبناء يواجهون الحياة من دون معيل.

وتوضح حسني أن أسرتها كانت قبل الحرب تعيش وضعاً اقتصادياً مستقراً نسبياً بفضل دخل شهري وصل إلى 2200 شيكل، وكان يكفي لتوفير الاحتياجات الأساسية والتعليم والطعام ومصاريف الحياة اليومية.
وتلفت حسني إلى أن الحرب دفعتها بشكل مفاجئ من أسرة مستقرة إلى أسرة بلا أي دخل شهري، تعتمد بالكامل على المساعدات الإنسانية الشحيحة والتكايا. وتؤكد أن فقدان الزوج ترافق مع الانهيار الاقتصادي الكامل، ما جعل مسؤولية إعالة الأطفال وتوفير احتياجاتهم اليومية عبئاً يفوق قدرتها، خاصة في ظل غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.


وتضيف: "كنا نعيش في وضع اقتصادي مريح نسبياً، صحيح أننا لم نكن ندخر المال، لكننا كنا نشتري كل الأشياء التي نحتاج إليها ولم يكن ينقصنا شيء، اليوم الوضع الاقتصادي سيئ جداً، ونادراً ما نصل إلى السوق لأننا ببساطة لا نملك المال للشراء، وحتى عندما تتوفر بعض السلع تكون أسعارها فوق قدرة أي أسرة فقدت مصدر دخلها".

طبقة تتآكل
من جهته، يقول المختص في الشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة إن الطبقة الوسطى في قطاع غزة تعد من أكثر الفئات التي تلقت الضربة الأقسى خلال الحرب، باعتبارها الفئة التي شكلت تاريخياً عماد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويوضح أبو مدللة أن هذه الطبقة كانت تعتمد على الوظائف الثابتة والمهن الحرة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لكنها تعرضت خلال الحرب إلى استنزاف حاد نتيجة توقف الأعمال وتراجع الدخل وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة.
ويشير إلى أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تعكس حجم الكارثة التي يعيشها القطاع، في ظل معدلات بطالة تجاوزت 80% ونسب فقر تخطت 90%، إضافة إلى انهيار شبه كامل في الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.

ويؤكد أن محدودي الدخل أصبحوا عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، بينما دفعت البطالة الواسعة آلاف العاملين وأصحاب المهن الصغيرة إلى دائرة الفقر والعوز بعد فقدان مصادر رزقهم.

ويضيف أبو مدللة: "السياسات الإسرائيلية القائمة على تدمير الاقتصاد المحلي ومنع إدخال البضائع وتقليص كميات السلع الواصلة إلى القطاع خلقت سوقاً مشوهة تعتمد على الندرة والاحتكار، ما تسبب في ارتفاعات هائلة في الأسعار واستنزاف سريع لمدخرات الأسر".
ويرى أن هذه السياسات لم تؤد فقط إلى تراجع القدرة الشرائية، بل ساهمت في تفكيك البنية الاجتماعية للطبقة الوسطى وتحويلها تدريجياً إلى طبقة فقيرة تعتمد على المساعدات.

في حين، يقول المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي إن الطبقة الوسطى في غزة أوشكت فعلياً على الاختفاء نتيجة الإجراءات الإسرائيلية التي استهدفت الاقتصاد المحلي بشكل مباشر، سواء عبر تدمير المنشآت الاقتصادية أو تعطيل الأسواق ومنع تدفق السلع والبضائع لفترات طويلة.
ويشير إلى أن هذه الطبقة كانت تمثل المحرك الأساسي للاستهلاك والاستقرار الاقتصادي، لكن الحرب دفعتها إلى دائرة الفقر خلال شهور قليلة.

ويؤكد الدريملي أن غزة تعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الضرورة"، وهو اقتصاد يعتمد على تأمين الاحتياجات اليومية بالحد الأدنى وسط انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية.

ويوضح أن معدلات الفقر تجاوزت 90%، في وقت تعاني فيه الأسواق شحّاً حادّاً في السيولة النقدية، إلى جانب القيود المفروضة على المعابر وارتفاع تكاليف التنسيقات التجارية بشكل خيالي.

ويلفت إلى أن حالة الاحتكار التي نشأت خلال الحرب ساهمت في رفع أسعار السلع الأساسية بنسب تتجاوز حالياً 300%، نتيجة تحكم عدد محدود من التجار والوسطاء في الكميات القليلة من البضائع المتوفرة داخل القطاع.
ويرى الدريملي أن أخطر ما في الأزمة الحالية لا يقتصر على الفقر وحده، بل يتمثل في تآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل عنصر التوازن داخل المجتمع الفلسطيني، محذراً من أن استمرار الحصار الاقتصادي سيؤدي إلى مزيد من الانهيار الاجتماعي.


 

المصدر: فلسطين الآن