نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالا لنائب الرئيس الإيراني ووزير الخارجية السابق جواد ظريف عن رؤية إيرانية جديدة للشرق الأوسط، قال فيه إن إنهاء الحرب والحفاظ على سلام مستدام يحتاج إلى رؤية جديدة.
وقال ظريف إن انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية التي تم التوقيع عليها الشهر الماضي، لم يكن مفاجئا، وتطرق في مقالته لمعالم رؤية تلعب فيها إيران دورا في المعمار الإقليمي بما يحفظ مصالحها ويؤمن المنطقة ويحمي المصالح الأمريكية بطريقة تستطيع فيها واشنطن الإلتفات للقضايا الأهم في جنوب شرق آسيا.
وأشار إلى أهمية مضيق هرمز كعامل ردع محذرا طهران من الإفراط في استخدامه وعدم استعداء دول العالم ضدها، كما ودعا في مقالته واشنطن لضبط دولة الاحتلال التي ظلت عامل عدم استقرار، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الإيرانية-الأمريكية.
وأضاف أن سبب انهيار الإتفاق الأخير، نابع من أن إيران والولايات المتحدة كانت لديهما تفسيرات متباينة لبنود الاتفاقية، لا سيما تلك المتعلقة بمضيق هرمز، فقد اعتقدت طهران أنها ستكون المسؤولة وعمان عن حركة الملاحة به، واعتقدت واشنطن أن إيران وافقت على السماح بالمرور الحر عبر المضيق دون قيد أو شرط، وأن الولايات المتحدة ليست ملزمة باحترام أي ترتيبات تبرمها إيران.
ولهذا لم يكن للاتفاق أن يصمد أمام هذا التباين، ولم يعد تجدد المواجهة العسكرية مسألة "هل سيحدث؟" بل مسألة "متى سيحدث؟".
وأضاف ظريف أن إطالة أمد الحرب، ليس من مصلحة إيران أو الولايات المتحدة، فرغم أن الشعب الإيراني وقواته المسلحة دافعوا عن بلادهم ضد قوتين نوويتين، إلا أنهم ما زالوا ينظرون إلى الصراع على أنه مفروض عليهم، ومواجهة لم يكونوا راغبين في خوضها قط.
وبالمقابل تحرف واشنطن نظرها عن هدفها الجيوسياسي الرئيسي، فعلى مدى أكثر من عقد، أكدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على هدف شامل يتمثل في تخفيف العبء طويل الأمد لبلادها في غرب آسيا للتركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مطلقة ما وصفه مسؤولون مختلفون بـ"التحول نحو آسيا".
وقال ظريف إن سياسات واشنطن السابقة تجاه إيران بما في ذلك الاتفاق النووي لعام 2015، واتفاقيات إبراهيم وهجماتها في حزيران/يونيو، وحربها في شباط/فبراير 2025، هي الأدوات التي استخدمتها لتحقيق هذه الغاية، وكما كشفت الحرب الحالية، لا تستطيع واشنطن القضاء على الحكومة الإيرانية. ولن تستطيع الولايات المتحدة حرف انتباهها إلى أماكن أخرى بدون أن تعتمد على الدبلوماسية وتوقيع اتفاقية سلام جديدة وإطار أمني جديد تضعه دول المنطقة ولصالحها.
وقال إن المواجهات العسكرية التي شهدها العام الماضي لم تقتصر على اختبار قدرات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فحسب، بل تحدت أيضا مفاهيم راسخة حول الإكراه والردع ومستقبل غرب آسيا.
فقد بادرت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال إلى خوض الصراعات الأخيرة مع إيران انطلاقا من افتراض أن الضغط العسكري المتواصل كفيل إما بإجبار طهران على الخضوع أو التسبب في انهيار الجمهورية الإسلامية، إلا أنهما وجدتا نفسيهما عالقتين في مأزق استراتيجي.
ولم تجبر أي من تحركاتهما، بما فيها الهجمات غير المسبوقة على القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية للبلاد، طهران على تغيير استراتيجيتها. فقد صمدت وحدة أراضيها ونظامها السياسي، مثبتة بذلك صلابة الشعب الإيراني وقدرته على الدفاع عن سيادته حتى في أحلك الظروف.
وأضاف أن قدرة إيران على تحمل الضغط العسكري المستمر جعلت من الصعب استبعادها من أي هيكل أمني إقليمي مستقبلي. بما في ذلك الدور المحوري الذي تلعبه إيران في حماية مرور إمدادات الطاقة والشحن التجاري عبر مضيق هرمز.
وخلافا لرؤية الدول الغربية عن التحرك الإيراني في المضيق، كفعل دولة معادية، فإن إيران عطلت أسواق الطاقة لسبب استراتيجي محدد وهو إرغام الولايات المتحدة وشركائها على إنهاء حملتهم لتدمير إيران.
وبعبارة أخرى، فقد أجبرت الحرب إيران على النظر إلى المضيق الآن باعتباره مسألة وجودية تتعلق بأمنها.
وأكد أن الهدف الإيراني الأهم في المضيق هو ضمان عدم قدرة الخصوم على استغلال الممر المائي للتحضير أو تسهيل أو الحفاظ على الإكراه ضد إيران، سواء كان ذلك الإكراه عسكريا أو سياسيا أو اقتصاديا بطبيعته.
وقال إن إيران تعمل الآن انطلاقا من قناعة راسخة بأن الطرق البحرية لا يمكن أن تكون محايدة سياسيا إذا كانت تسهل نقل أنظمة الأسلحة ومكونات الطائرات والأصول الاستخباراتية أو الدعم اللوجستي للولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.
واستدرك ظريف قائلا إن النفوذ الذي يوفره المضيق لطهران يظل هشا. فإذا ظل إيران تهدد حركة الملاحة البحرية، فقد يؤدي ذلك إلى انقلاب معظم دول العالم عليها. كما أن الإغلاق المستمر قد يسرع الاستثمارات الدولية في خطوط الأنابيب والموانئ والممرات اللوجستية البرية التي تتجاوز الممر المائي تماما، وإذا نجحت الأسواق العالمية في تنويع أنشطتها بعيدا عن المضيق، فلن تتمكن إيران من استخدام إغلاقه المحتمل كرادع. لذا، يتعين على طهران ممارسة ضبط النفس، تماما كما يتعين على الدول الأخرى الامتناع عن اتخاذ تدابير اقتصادية وسياسية وعسكرية من شأنها الإضرار بمصالح إيران في المضيق.
ولضمان مصالح إيران ودول المنطقة وحماية اقتصاد العالم، قال ظريف إنه لا بد من شبكة أمنية إقليمية تبني الثقة بين دول الخليج العربي الساحلية من خلال الحوار والتعاون. من شأن هذا النهج أن يضع حدا للوجود العسكري المزعزع للاستقرار والمغامرات الخارجية للقوى الخارجية، وذلك بإزالة مبرر وجودها.
ويظل المضيق نقطة خلاف حساسة، لكنه ليس القضية الأهم، فهناك مشاكل أخرى عالقة بين أمريكا وإيران، ويقتضي حلها وضع أهداف متواضعة: فليس من الممكن أن تكون طهران وواشنطن صديقتين، وبخاصة بعد الحروب الأخيرة التي اغتالت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الأعلى لإيران وكبار قادتها وتلاميذ أبرياء، وهو ما عمق جراح البلاد التاريخية. ولن تنسى هذه المظالم ولن تغفر، ولكن لا ينبغي أن تؤدي إلى استمرار القتال أو التصعيد. ويجب والحالة هذه تحديد طبيعة الخلافات، جوهرية كانت أم إشكالية وإدارتها بطريقة عملية ودبلوماسية. وبالضرورة البحث عن ترتيب أمني واقعي بين البلدين واتفاقا بعدم الاعتداء يمنع النزاعات. وستكون طهران وواشنطن قادرتان والحالة هذه على التنسيق في التحديات المشتركة بينهما، مثل استقرار أفغانستان ومكافحة تهريب المخدرات وإدارة الهجرة.
وبموجب هذا الترتيب، ستعترف الولايات المتحدة بوحدة أراضي إيران، وتزيل تصنيفات الإرهاب عن إيران وأجهزتها وترفع جميع العقوبات عنها نهائيا.
كما ستلتزم واشنطن بمساعدة إيران على إعادة بناء نفسها بعد الدمار الذي خلفه عدوانها، كما وعدت في المذكرة، وذلك بإنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار للبلاد، في المقابل، ستوافق إيران على ضمانات دائمة لعدم انتشار الأسلحة النووية، مثل التصديق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح مفتشي الوكالة صلاحيات إضافية للوصول إلى المنشآت النووية في إيران، وقد تقوم إيران بتقنين فتوى المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي المناهضة للأسلحة النووية.
وتطرق ظريف لعامل آخر مؤثر على العلاقات وهو دور إسرائيل. فإلى جانب شنها الحرب الأولى على إيران في حزيران/يونيو 2025 وإقناعها ترامب بالانضمام إلى الحرب الثانية، دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على معارضة المبادرات الأمريكية الرامية إلى تخفيف حدة التوترات وتحقيق الاستقرار في غرب آسيا، بما في ذلك الاتفاق النووي لعام 2015 ومذكرة التفاهم الأخيرة.
لذا، فإن أي جهد لمنع تجدد الصراع يجب أن يأخذ في الحسبان هذا العامل المعرقل والرغبة في استمرار الحرب. وأضاف أن سلوك إسرائيل لا يمنع السلام مع إيران فحسب، بل يزعزع استقرار غرب آسيا بأكملها. فمن خلال توسيعها للمستوطنات وإبادتها الجماعية في غزة وتدميرها للبنان، أثبتت إسرائيل أكثر من مرة أنها تريد زرع الفوضى في جميع أنحاء المنطقة للحفاظ على هيمنتها العسكرية.
وقال ظريف إن دولة الاحتلال، ليست وحدها من يملك القدرة على التأثير في نجاح اتفاق السلام بين طهران وواشنطن. وسيكون من الحكمة أن تضع إيران وجيرانها المباشرين في الخليج العربي خطة تنهي عقودا من التوتر، الذي بدأ مع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) واستمر حتى يومنا هذا، ملحقا الضرر بالجميع. وهذا يعني أن على غرب آسيا التخلي عن نموذج أمني يعتمد على قوى أجنبية، وهو توجه جلب القوات الأمريكية إلى المنطقة وأدى إلى استمرار الصراع.
كما ولا بد لدول غرب آسيا أن تبدأ في تعزيز الإندماج فيما بينها، بحيث تعزز قوة كل دولة استقرار الدول الأخرى. وتشمل الجهود على بناء منظومات اقتصادية ودعم كل دولة نجاح الأخرى والتعاون في المجال الأمني.
ويعترف ظريف أن تحقيق هذا لن يكون سهلا، نظرا لعقود من انعدام الثقة والشك داخل المنطقة، بما في ذلك بين بعض الدول العربية وبين هذه الدول وإيران. لكن غرب آسيا ليس مضطرا للبقاء أسيرا لماضيه العنيف. فقد أظهرت الحروب الأخيرة ليس فقط التكاليف الكارثية للمواجهة العسكرية، بل أيضا حدود ما يمكن أن يحققه الإكراه.
وفي النهاية، يجب على كل من واشنطن والدول العربية أن تقر بأن إيران جزء لا يتجزأ من المشهد الإقليمي، وأن الجوار لا يمكنه تحقيق الاستقرار باستبعادها.
وفي الوقت نفسه، يجب على إيران أن تقابل ثقتها المتجددة باستعدادها لمدّ يد الصداقة إلى جيرانها، والسعي لتحقيق الأمن من خلال التعاون والردع، وعلى العالم أجمع أن يُدرك أن الاستقرار الدائم لا يمكن استيراده إلى غرب آسيا من الخارج أو فرضه بالقوة، بل يجب أن تبنيه شعوب ودول المنطقة نفسها.
