تراقب المحافل السياسية والدبلوماسية في دولة الاحتلال عن كثب تزايد مستوى النفور الأمريكي منها، والابتعاد عنها بوصفها دولة منبوذة في الساحة العالمية، مع أن الأمر لا يقتصر على هتافات "فلسطين حرة" في الجامعات، لأن أحدث استطلاعات الرأي تُظهِر أن قيمة صورتها في الولايات المتحدة تراجعت بشكل كبير.
الصحفي المتخصص في الشؤون الفنية والسينمائية، أمير بوغان، ذكر أن "هذا العام 2026 شهد تخرج أربعة ملايين طالب من آلاف الجامعات والكليات في الولايات المتحدة، وسينطلقون في مسيرة مهنية في شركات محاماة، وول ستريت، هوليوود، وبرودواي، وجوجل ومايكروسوفت وشركات التكنولوجيا في العالم، شباب وشابات موهوبون في العشرينات من عمرهم سيقودون الاقتصاد والعلوم والثقافة والسياسة في الولايات المتحدة وحول العالم، وهو جيل أمريكا المستقبلي، ومن الجدير التفكير الآن في شكل هذا المستقبل من منظور دولة إسرائيل".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أنه "منذ السابع من أكتوبر، وفي خضم الحرب الدائرة في غزة، ترسخت الحركة المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية، وفي قلوب العديد من الطلاب الذين رأوا في أنفسهم ناشطين شرسين وجريئين، وكان رد الفعل الإسرائيلي الأولي على هذا النشاط الميداني الصاخب هو الازدراء والاشمئزاز من هؤلاء الشباب الوسيمين، ووصفهم بالسذاجة في أحسن الأحوال، وبالجهل في أسوئها".
وأوضح أن "إسرائيل اكتفت باتهام هؤلاء النشطاء بأنهم يُستغلون من قبل قادة الرأي التقدميين، ويتلقون تمويلًا من قطر، ولا يدركون شيئًا عن الصراع في الشرق الأوسط، وتاريخه، وهذا الموقف الإسرائيلي يمكن وصفه بـ"المتعالي"، ولا يحل الأزمة الوجودية التي تواجهنا، في ظل رفض غالبية الشعب الأمريكي لإسرائيل، وتصدع الحماية التي يوفرها بعض ممثليها في الإدارة والكونغرس، بدليل أن معظم الأمريكيين يؤيدون اليوم إلغاء المساعدات العسكرية الممولة من أموال دافعي الضرائب".
وأشار أن "النفور الأمريكي من إسرائيل، والابتعاد عنها كدولة منبوذة في الساحة الدولية، لا يقتصر على هتافات "فلسطين حرة" في الجامعات، بل تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى تراجع حاد في قيمة صورتها في الولايات المتحدة، ويُعدّ الوضع خطيرًا بشكل خاص بين الشباب المحليين، حيث يحمل 75% منهم، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، رأيًا سلبيًا تجاه الحليف في الجانب الآخر من العالم، الذي تمتّع بوضع الحماية الأمريكية على مرّ السنين".
وأكد أن "تل أبيب تفكر عكس ذلك تمامًا، وكأن أنظار العالم أجمع مُوجّهة إليها كمنارة في المنطقة، مع أن ذلك ربما كان هو الحال في الماضي، على الأقل بين يهود الشتات الذين أغدقوا الحب والدعم والأموال على دولتهم اليهودية، لكن هذه العلاقة تضعف، فلا تزال المجتمعات اليهودية المتنوعة في الولايات المتحدة تربطها علاقة قوية بإسرائيل، لكنها آخذة في التلاشي، وباتت صورتها بالية، وشكل السابع من أكتوبر دليلًا قاطعًا على ذلك".
وأضاف أن "الأمريكيين يحيون ذكرى قتل عشرات آلاف الفلسطينيين في غزة، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وأدت أهوال الحرب فيها، والمذابح التي ارتكبها المستوطنون في الضفة الغربية، إلى تغييرات في نظرة جيل الشباب لإسرائيل، لأنهم أصيبوا بخيبة أمل منها، وخرجوا إلى الشوارع، وهتفوا "ليس باسمنا"، وأقاموا مخيمات في حرم جامعة كولومبيا، وانتخبوا زهران ممداني عمدةً لنيويورك، لأن إسرائيل التي يعرفونها هي إسرائيل بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب القاتل، ويقود حكومة يمينية قومية وحشية تتجاهل الفلسطينيين، وتحافظ على الاحتلال".
وأشار إلى أن "تنامي هذه الشريحة بين الأمريكيين يقابله شريحة موازية من الجمهور الإسرائيلي الذي ينكر وجود الاحتلال، وينكر وجود الفلسطينيين، ويتجاهل تراجع مكانة بلاده في الرأي العام الدولي، وهذه أزمة جوهرية، وليست فشلاً في منظومة الدعاية، فالشباب الأمريكي الواعي يتجاوز الدعاية، ويرفض أي تعاطف أو ولاء قسري، بينما يستمع لما تقدمه لهم الحكومة الإسرائيلية الحالية علنًا، التي لم تفشل فقط في حل الصراع مع الفلسطينيين، بل اتضح جليًا أنه لا توجد رغبة لديها بالسعي نحو اتفاق سلام".
وأكد أن "هذا الموجة من معاداة إسرائيل في أمريكا هي جزءم من الرأي العام الدولي المعادي لها، لأن التهديد الوجودي لها لا ينبع من كراهية الأجانب، بل من حبها الذات، والرضا المفرط عن النفس، والغطرسة، والفخر القومي، والإيمان العنيد بصواب الطريق، وهي مؤشرات نرجسية متأصلة في حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، تُشكل سياستها كطريق مختصر لمجيء المسيح المخلص، وحينها سيصبح طلاب اليوم قادة الغد، ويديرون ظهورهم لإسرائيل".
تقدم هذه القراءة المتشائمة إزاء تدهور صورة دولة الاحتلال بنظر الأجيال الأمريكية الصاعدة نموذجا لنتائج سياساتها العدوانية ضد الفلسطينيين، وتجد ترجمتها في ابتعاد المزيد من مؤيدي الأمس عنها، وانضمامهم الى صفوف المعادين لها.
