29.45°القدس
29.21°رام الله
28.06°الخليل
32.74°غزة
29.45° القدس
رام الله29.21°
الخليل28.06°
غزة32.74°
السبت 15 اغسطس 2026
4جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.96

منظمة حقوقية تعلق على نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى شرطة الاحتلال

الضفة الغربية - فلسطين الآن

قالت منظمة البيدر الحقوقية بأن توجيه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى جيش الاحتلال بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية إلى شرطة الاحتلال، يمثل تطورا لافتا في مسار إعادة تشكيل منظومة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة لا تتوقف عند بعدها الإجرائي، بل تكمن أساسا في دلالتها السياسية والقانونية، باعتبارها تنقل وظيفة كانت مرتبطة بمنظومة الحكم العسكري إلى مؤسسة مدنية إسرائيلية.

وأضافت "البيدر"،  أن الأمر لا يتعلق، وفق المعطيات المتاحة، بمنح شرطة الاحتلال اختصاصا جديدا بالكامل، فهي تعمل أصلا في الضفة الغربية ضمن صلاحيات محددة ومفوضة، إلا أن الجديد يكمن في الاتجاه نحو جعل إنفاذ القانون على المستوطنين وظيفة مدنية إسرائيلية بصورة أكثر انتظاما، بما يقرب آليات التعامل معهم من تلك المعمول بها داخل دولة الاحتلال نفسها، وهذا التحول، وإن بدا في ظاهره إعادة توزيع للمهام بين جيش وشرطة الاحتلال، إلا أنه يحمل في جوهره دلالة أوسع، تتمثل في إعادة تعريف موقع المستوطنين داخل المنظومة الإسرائيلية، ونقل التعامل معهم تدريجيا من إطار الاحتلال العسكري إلى إطار مؤسسات الدولة المدنية.

وتزداد أهمية هذا التطور عندما يوضع في سياقه الأوسع؛ إذ إن نقل وظيفة إنفاذ القانون لا يأتي منفردا، وإنما بعد سلسلة من الخطوات التي شهدت انتقال صلاحيات مرتبطة بالشؤون المدنية، والأراضي، والتخطيط، والإدارة، من مؤسسات الحكم العسكري إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وبهذا المعنى، فإن المسار لا يقتصر على تغيير الجهة التي تتولى التعامل مع المخالفات أو الجرائم التي يرتكبها المستوطنين، وإنما يتصل بإعادة بناء منظومة إدارية وقانونية متكاملة لإدارة الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية.

وأشارت البيدر، إلى أن هذه العملية تكشف عن مفارقة جوهرية في طبيعة النظام القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فبينما يجري إدماج المستوطنين بصورة متزايدة في مؤسسات القانون والإدارة والخدمات المدنية الإسرائيلية، فيما يبقى الفلسطينيون خاضعين لمنظومة الحكم العسكري، وبذلك يتشكل واقع قانوني وإداري مزدوج داخل الأرض نفسها: منظومة مدنية إسرائيلية تتوسع تدريجيا حول المستوطنين، ومنظومة عسكرية تستمر في إدارة حياة الفلسطينيين، ولا تكمن خطورة هذا الفصل فقط في آثاره اليومية، وإنما في أنه يساهم تدريجيا في تغيير طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية القائمة بالاحتلال والمستوطنات، وتحويلها من تجمعات استيطانية قائمة في أرض محتلة إلى مكونات أكثر اندماجا في النظام المؤسسي الإسرائيلي.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري باعتباره انتقالا تدريجيا من إدارة الاحتلال إلى إدارة مدنية إسرائيلية للمشروع الاستيطاني، فكلما انتقلت الصلاحيات المتعلقة بالمستوطنين والأرض والتخطيط والبنية التحتية وإنفاذ القانون من المؤسسة العسكرية إلى مؤسسات الدولة المدنية، تقلصت عمليا المسافة المؤسسية بين المستوطنات ودولة الاحتلال، وأصبح وجودها أكثر ارتباطا بالمنظومة الحكومية الإسرائيلية، سواء من خلال الميزانيات أو التخطيط أو الخدمات أو القانون أو أجهزة إنفاذه.

وأكدت منظمة العفو الدولية، في سياق تحليلها للتطورات الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن السنوات الأخيرة شهدت نقل صلاحيات مدنية من مؤسسات عسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، بما في ذلك مجالات تتصل بالأراضي والتخطيط والتسجيل العقاري، بالتوازي مع مبادرات تهدف إلى توسيع تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنين وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا السياق يجعل توجيه كاتس جزءا من مسار أوسع، لا مجرد إجراء أمني منفصل.

وعليه، فإن دلالة الخطوة تكمن في أنها تضيف بعدا مؤسساتيا جديدا إلى عملية الاستيطان والضم الفعلي. اذ ان المشروع لا يتوقف عند السيطرة الميدانية على الأرض أو إقامة البؤر الاستيطانية، بل يتجه تدريجيا إلى بناء منظومة قانونية وإدارية وأمنية قادرة على إدارة هذا الوجود وتثبيته، وكلما أصبح المستوطن مرتبطا بمؤسسات الدولة المدنية الإسرائيلية، وأصبحت المستوطنة جزءا من شبكات التخطيط والطرق والخدمات والميزانيات وإنفاذ القانون، أصبح تفكيك هذا الواقع أكثر تعقيدا، وتحولت المستوطنات من واقع مفروض بالقوة إلى واقع مؤسساتي متجذر.

كما وتجدر الإشارة إلى أن خطورة هذا التوجيه من قبل وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس يأتي في سياق عدم تقديمه باعتباره إجراءا إداريا معزولا، بل ربطه بصورة مباشرة بالتوسع الاستيطاني المتوقع، وبالزيادة المرتقبة في أعداد المستوطنين، إلى جانب خطط إقامة مستوطنات وبؤر جديدة وشرعنة المزارع الاستيطانية القائمة، وهذا الربط يحمل دلالة سياسية واضحة؛ إذ يكشف أن إعادة ترتيب مسؤوليات إنفاذ القانون على المستوطنين تأتي بالتوازي مع توسيع قاعدة الوجود الاستيطاني على الأرض، وليس بمعزل عنها.

البيدر: التحذير من المسار سبق التطور المؤسسي

في هذا السياق، لا يأتي موقف منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في الضفة الغربية كرد فعل على القرار الإسرائيلي الأخير، بل يستند إلى سلسلة من التحذيرات التي أطلقتها المنظمة خلال الأشهر الماضية بشأن المسار المتصاعد للاستيطان والاعتداءات والتهجير والسيطرة على الأراضي، فقد تعاملت المنظمة مع هذه الوقائع باعتبارها أجزاء مترابطة من عملية تتجاوز التوسع الاستيطاني التقليدي نحو إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية وترسيخ الضم الفعلي.

ففي شهر تموز يوليو الماضي، حذرت المنظمة من أن الخطة الإسرائيلية المتعلقة بتخصيص أكثر من مليار شيكل لتطوير وشق الطرق المؤدية إلى المستوطنات لا يمكن فصلها عن مشروع التوسع الاستيطاني الأوسع.، ووفق تقدير المنظمة، فإن هذه الطرق لا تؤدي وظيفة نقلية فحسب، وإنما تفتح المجال أمام توسيع المستوطنات والبؤر وربطها جغرافيا، وتسهيل الوصول إليها، وتثبيت وجودها، بما يجعل البنية التحتية نفسها أداة من أدوات السيطرة على الأرض وترسيخ الضم الفعلي.

وأكدت منظمة البيدر على أن خطورة هذا التوجه تتضح بصورة أكبر عند النظر إلى أثر الطرق في المناطق التي تنتشر فيها البؤر الاستيطانية الرعوية، فالطريق الذي يبدأ لخدمة بؤرة محدودة قد يصبح لاحقا جزءا من شبكة تربطها بمستوطنة أكبر، وتسمح بتوسيع نطاق استخدامها للأراضي المحيطة، وتسهيل حركة المستوطنين والمعدات، وفي الوقت نفسه تقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومراعيهم، وبذلك تتحول البنية التحتية من عنصر تابع للاستيطان إلى أداة لإنتاج واقع استيطاني جديد.

وفي السياق ذاته، أكد المشرف العام على منظمة البيدر المحامي حسن مليحات أن المنظمة وثقت منذ بداية عام 2026 آلاف الاعتداءات على التجمعات البدوية، إلى جانب تهجير تجمعات فلسطينية والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي وإقامة بؤر استيطانية جديدة بوتيرة متسارعة، وحذر من أن البؤر، ولا سيما الرعوية منها، لا تؤدي وظيفة سكنية فحسب، بل تتحول إلى نقاط ارتكاز للهجمات على الفلسطينيين وإلى أدوات للسيطرة التدريجية على مساحات أوسع من الأراضي.

كما وأكدت المنظمة وعبر إطلاق تحذيرات مماثلة في أيار الماضي، عندما ربطت بين تصاعد الانتهاكات ضد التجمعات البدوية وبين التوسع المتزامن في البؤر الاستيطانية، معتبرة أن تكرار هذه الممارسات واتساع نطاقها يعكسان سياسة تتجاوز الاعتداءات الفردية، وتستهدف دفع السكان الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم وإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي للضفة الغربية.

ومن هذه الزاوية، فإن التطور الإسرائيلي الأخير يضيف بعدا جديدا إلى مسار كانت منظمة البيدر قد رصدت ملامحه ميدانيا منذ أشهر، فما كان يظهر في البداية على شكل اعتداءات على السكان، والاستيلاء التدريجي على الأراضي، وإقامة بؤر رعوية، وفتح طرق جديدة، وتهجير تجمعات فلسطينية، يتجه الآن إلى اكتساب غطاء مؤسساتي وإداري وأمني أكثر رسوخا.

وهنا تكمن أهمية الربط بين تحذيرات المنظمة والتوجيه الإسرائيلي الجديد: فالبيدر كانت ترصد العملية من مستوى الأرض، بينما يكشف القرار الأخير أحد أوجه انتقالها إلى مستوى المؤسسات، فإذا كانت البؤر والطرق والاعتداءات تمثل أدوات فرض الواقع على الأرض، فإن نقل الصلاحيات إلى المؤسسات المدنية الإسرائيلية يمكن أن يمثل مرحلة لاحقة تتمثل في تنظيم هذا الواقع وتثبيته وإدخاله بصورة أعمق في منظومة الدولة.

وبالتالي، فإن ما يجري اليوم لا يمثل، من منظور التحليل الذي طرحته منظمة البيدر، حدثا منفصلا أو مفاجئا، وإنما تطورا مؤسساتيا لمسار ميداني سبق أن حذرت المنظمة من تداعياته: مسار يبدأ بالسيطرة على الأرض وتهجير سكانها، ثم ينتقل إلى تثبيت الوجود الاستيطاني عليها، قبل أن يجد طريقه تدريجيا إلى منظومات القانون والإدارة والبنية التحتية والأمن.

ومن منظور القانون الدولي، تؤكد منظمة البيدر بأن هذا المسار يتعارض بصورة جوهرية مع الإطار القانوني الدولي الذي يحكم وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن سياسات وممارسات دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة تمس حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، كما خلصت إلى أن السياسات والممارسات المرتبطة بالاستيطان وضم أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة تشكل انتهاكا للقانون الدولي.

كما أكدت الأمم المتحدة، في سياق متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن 2334، موقفها الرافض للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ودعت بصورة متكررة إلى وقف جميع الأنشطة الاستيطانية، ومن ثم، فإن أي اتجاه نحو نقل وظائف متصلة بإدارة المستوطنين والأرض والتخطيط وإنفاذ القانون من منظومة الاحتلال العسكرية إلى مؤسسات الدولة المدنية القائمة بالاحتلال لا يمكن فصله عن السؤال القانوني الأوسع: هل يجري تحويل الاحتلال، الذي يفترض وفق القانون الدولي أن يكون وضعا مؤقتا، إلى ممارسة مؤسساتية دائمة للسلطة على الأرض المحتلة؟

وتزداد حساسية هذا السؤال عندما لا يكون نقل الصلاحيات إجراءا منفردا، وإنما يأتي متزامنا مع التوسع الاستيطاني وشرعنة البؤر وتطوير الطرق والبنية التحتية والسيطرة التدريجية على الأراضي، ففي هذه الحالة، تصبح عملية نقل الاختصاصات جزءا من إعادة بناء منظومة حكم قادرة على إدارة الوجود الاستعماري وتثبيته، لا مجرد إعادة تنظيم للمهام الأمنية.

وختاما تكمن خطورة التطور الإسرائيلي الجديد في أنه قد يمثل انتقالا من مرحلة فرض الوقائع الاستيطانية على الأرض إلى مرحلة أكثر تقدما تتمثل في مأسسة هذه الوقائع، فالبؤرة غير الرسمية يمكن أن تتحول إلى مستوطنة، والطريق الذي يبدأ لخدمة المستوطنين يصبح جزءا من شبكة بنية تحتية دائمة، والصلاحية التي كانت بيد الجيش تنتقل إلى مؤسسة مدنية، والمستوطن الذي يعيش في أرض محتلة يصبح مرتبطا بصورة متزايدة بمنظومة القانون والخدمات والأمن الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، تكتسب التحذيرات السابقة لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة أهمية خاصة، فقد تعاملت المنظمة مع الاعتداءات الاستعمارية، والبؤر الرعوية، وعمليات التهجير، والسيطرة على الأراضي، وشق الطرق وتطوير البنية التحتية، باعتبارها حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يستهدف تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية وترسيخ الضم الفعلي.

وختمت البيدر بالقول، إنه إذا استمر نقل الصلاحيات بالتوازي مع شرعنة البؤر، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق، وتطوير البنية التحتية، والسيطرة على المزيد من الأراضي، فإن ما يجري في الضفة الغربية يتجاوز مفهوم التشديد الأمني أو التوسع الاستيطاني التقليدي، بحيث يتجه نحو إعادة بناء تدريجية لمنظومة السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، من خلال الجمع بين القوة الميدانية والغطاء القانوني والبنية التحتية والمؤسسات المدنية؛ وهي عملية تجعل تفكيك واقع الضم، كلما ترسخ، أكثر تعقيدا من الناحية السياسية والقانونية والميدانية.

المصدر: فلسطين الآن