26.7°القدس
26.46°رام الله
25.56°الخليل
30.34°غزة
26.7° القدس
رام الله26.46°
الخليل25.56°
غزة30.34°
الثلاثاء 18 اغسطس 2026
4جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.96

الدنيا دوّارة.. حكاية نازحٍ التقى بمن أذلّه على طابور المساعدات

الصحفي عبد الهادي مسلم

في بداية عام 2024، وبينما كنت نازحًا في رفح، وتحديدًا في منطقة المواصي ـ العلم، عشت أيامًا من أصعب ما مررت به. كنا نقيم في حمّام زراعي في منطقة منخفضة، دبره لنا صديق أخي، وسكنا فيه أنا وصهري وصهر أخي، وكان معظم النازحين في المكان من أبناء المحافظة الوسطى ومدينة غزة.

كان الطعام شحيحًا وأسعاره مرتفعة، لكن المساعدات التي كانت تصل إلى المنطقة كانت كبيرة، ومن بينها مساعدات توزعها جمعية قريبة منا.

كنت أتوجه إليها مرات عديدة، منذ ساعات الصباح الأولى، وفي عز البرد، وأقف في الطوابير الطويلة على أمل الحصول على كابونة. وكان أحيانًا يصحبني زوج ابنتي. كنت أرى الناس يستلمون، وأعود أنا خالي الوفاض وحزينًا.

في إحدى المرات قلت لموظف الجمعية والمشرف على التوزيع:

"يا راجل، أنا شايف الكل بستلم، لماذا أنا لا أستلم؟"

فقال لي: ضع هويتك.

ذهبت مرة، ثم مرة أخرى، دون جدوى.

وفي إحدى المرات لم أتمالك نفسي، وقلت له:

"حرام عليكم.. أنا شايف معظم الكوبونات بتروح لأسر مقيمة في بيوتها ولعائلات معروفة، أو يتم سرقتها، والقليل منها فقط يصل إلى النازحين، وبطريقة فيها إذلال واستفزاز."

احتد النقاش، وكاد الأمر أن يتحول إلى عراك بالأيدي، خصوصًا مع بعض الأشخاص الذين أحضرهم لحماية المكان. وفي النهاية انسحبت، وأنا أدعو الله على كل من يسرق مساعدات الفقراء والنازحين.

وبعد أكثر من عشرين يومًا، حصلت أخيرًا على كابونة، لكنها كانت ـ بصراحة ـ "بتخزي"، ولم يكن فيها حتى البسكويت الذي كان أطفالي يتلهفون إليه.

مرت الأيام، وعدت من النزوح إلى بيتي في مخيم البريج، بعدما عاثت فيه قوات الاحتلال فسادًا وخرابًا، لكن ذلك الموقف ظل عالقًا في ذاكرتي.

كنت أقول لنفسي:

سيأتي يوم ألتقي فيه بهذا الشخص، وسأقول له ما في قلبي.

وكما يقول المثل الشعبي: "جبل على جبل ما بلتقيش، لكن رجل على رجل بيلتقي."

وبالفعل، بالأمس، كنت في احتفال بمدينة دير البلح، وعند عودتي مع صديقي، أوقفنا سائق سيارة نقل نصف شحن، وقال لنا: "اركبوا، أوصلكم إلى أول الطريق."

ركبت إلى جانبه، وبينما كنت أنظر إلى وجهه وتقاسيمه، شعرت فجأة أنني عدت إلى رفح قبل أكثر من عامين.

دققت في ملامحه، ثم وجهت إليه السؤال:

"أنت فلان؟ صاحب الجمعية اللي كنت توزع مساعدات في رفح؟"

قال: نعم.

قلت له:

"بتتذكر كيف كنت تتعامل معي بجلافة وإذلال؟ وبتتذكر كم مرة جيت ووقفت بالطابور حتى أستلم مساعدة؟ أنا ما نسيت."

وقلت له إنني لم أسامحه، وإنني كنت دائمًا أقول إن الأيام ستجمعنا يومًا ما، وإنني أريد أن يعرف كيف كان شعوري وأنا أقف محتاجًا للمساعدة ثم أعود دونها.

قلت له أيضًا:

"شوف كيف الزمن دار.. يوم كنت أنت توزع المساعدات وأنا نازح أبحث عن كرتونة بسكويت لأطفالي، واليوم أنت نفسك نازح في المحافظة الوسطى."

الرجل تحمل كلامي، وقال لي:

"احكي كل اللي عندك."

تركته يتحدث، وبعد أن أنهيت ما في قلبي، فاجأني باعتراف لم أتوقعه.

قال إن معظم المساعدات كانت تُسرق، وإنه كان قد استعان بأشخاص لحماية المكان، ثم اكتشف بعد فترة أنهم هم أنفسهم من يسرقون المساعدات.

وأكد لي:

"والله ما كنت أعرف إنهم حرامية إلا بعد فترة، وأنا إنسان بخاف الله، وكنت أنا اللي أتعامل مع الناس."

في تلك اللحظة، شعرت بشيء من الشفقة عليه. ربما لم يكن هو وحده المسؤول، وربما كان قد أخطأ في تقدير من حوله، وربما كانت هناك تفاصيل لم أكن أعرفها وقتها.

قلت له في النهاية:

"أنا مسامحك.. لكن شوف كيف الدنيا دوّارة، يوم لك ويوم عليك."

غادرت السيارة وأنا أفكر في هذا اللقاء الغريب الذي أعادني سنوات إلى الوراء.

لم أكن أبحث عن انتقام، ولم أكن أريد إذلاله كما شعرت أنني أُذللت يومًا. كنت فقط أريد أن أقول له إن وراء كل كابونة إنسانًا له كرامة، ووراء كل طابور نازحًا يحمل وجعًا وحكاية.

الدنيا فعلًا دوّارة.. وربما أجمل ما فيها أن الإنسان حين تدور عليه الأيام، يملك فرصة أن يتعلم منها.

المصدر: فلسطين الآن