تواصل المحافل الإسرائيلية قراءة النتائج المترتبة على إقامة التحالف الثلاثي في مكة، لاسيما حين نص على أن أي هجوم مسلح على أي من هذه الدول الثلاث يُعتبر هجومًا عليها جميعًا، وهي صياغة مقتبسة مباشرة من المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، وليس ذلك من قبيل الصدفة.
المتخصص بتحليل القضايا الجيوسياسية والأمنية، والعلاقة بين الاستراتيجية العسكرية والصمود المدني، الضابط ستيف بالخسان، ذكر أنه "من وجهة نظر إسرائيلية، ثمة جانبين للتحالف الناشئ يجب فصلهما، أولاهما المنطق العسكري الاستراتيجي، فالتحالف يجمع القدرات النووية الباكستانية، ونظيرتها العسكرية التركية، ورأس المال السعودي، وإن كان رمزياً أكثر منه عملياً في الوقت الراهن، مما يعني تغيير خريطة الردع الإقليمي على المدى البعيد، ويتطلب إعادة النظر في هيكل التحالف الاستراتيجي الذي تُقيمه إسرائيل تجاه إيران".
وأضاف بالخسان في مقال نشره موقع زمان إسرائيل، أن "الجانب الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق على المدى القريب، فهو الخطاب الذي رافق الاتفاق، فقد أصدر وزير الدفاع الباكستاني بياناً شديد اللهجة يدعو فيه العالم الإسلامي "للتوحد ضد التهديد المشترك الذي تُشكّله إسرائيل"، ووصفها بأنها "تهديد لجميع الدول الإسلامية"، وهذا ليس تصريحاً هامشياً، بل يُبيّن أنه حتى عندما يُركّز الاتفاق نفسه على إيران، توجد قوى داخله تُحاول جرّ هذا الإطار إلى تيار مُعادي لإسرائيل".
وأشار بالخسان إلى أن "اتفاق مكة حدثٌ يُشير إلى تغيير في هذا التيار، وليس مجرد خبر جديد، لقد انبثق من فشل الردع الأمريكي في كسب الحرب ضد إيران، ومن شعور متزايد بالتخلي لدى واشنطن، وانطلاقًا من حاجة السعودية الماسة لإيجاد حامٍ آخر حين تتعرض لهجوم من جميع الجهات، فإن إعلان أردوغان عن فتح الباب، وكون مصر والأردن على مرمى البصر، يشير إلى أن هذه البنية التحتية قابلة للتوسع، وليست حدثًا عابرًا".
وأكد بالخسان أنه "بالنسبة لإسرائيل، فإن الاستنتاج العملي ذو شقين: مراقبة وتيرة التوسع الفعلية عن كثب، لا مجرد التصريحات، والاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال أن يُستغل أي توسع مستقبلي كذريعة لخطاب عدائي ضدنا، حتى لو كان الدافع الأساسي للتحالف إيرانيًا، وليس إسرائيليًا، وفي الشرق الأوسط عام 2026، تتغير حدود التحالفات بوتيرة أسرع من عناوين الأخبار التي تتناولها، ومن لا يقرأ الخريطة مبكرًا سيجد نفسه يكتفي برد الفعل بدلًا من المبادرة".
وأوضح الكاتب أن "التحالف يجمع ثلاث دول إسلامية سنية رئيسية، إحداها القوة النووية الإسلامية الوحيدة في العالم، تُرسّخ إطارًا للردع الجماعي في منطقة يُعيد فيها كل طرف النظر في من يمكنه الوثوق به، مما يطرح التساؤل عن توقيت الإعلان عن إنشائه الآن، والآن بالذات، وما الذي دفع أطرافه حقًا، مما يؤكد أنه لم يولد من فراغ، بل أتى بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، في ظل حرب دخلت شهرها السادس مع إيران".
وأضاف أن "إنشاء هذا التحالف تزامن مع ما كشفته هذه الحرب على صعيد السعودية من جميع الجهات: الحوثيين من اليمن، والمسيّرات من العراق، والضغط المستمر على مضيق هرمز، وقد وقّعت اتفاقية دفاعية مع باكستان في سبتمبر 2025، التي نشرت ثمانية آلاف جندي على أراضي المملكة، وبالتالي فإن ما جرى في مكة هو في جوهره توسيع لتحالف قائم، وليس ابتكارًا من العدم".
واستدرك بالخسان بالقول إن "انضمام تركيا يُغيّر من ثقله الإجمالي: فباكستان تُضيف قوة نووية وبرية، وتركيا تُضيف ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وواحدة من أكثر صناعات الطائرات المسيّرة تطورًا في العالم، والسعودية تُضيف رأس المال الذي يُشغّل كل ذلك، بمعنى آخر، فإننا أمام تحالف يُساهم فيه كل طرف بما ينقص الطرفين الآخرين، وهذا تحديدًا ما يجعله أكثر أهمية من أي إعلان رمزي سابق في المنطقة".
ونوّه إلى أن "العديد من المحللين، بمن فيهم في هيئات عسكرية عالمية، يُحذّرون من المبالغة في تفسير الاتفاقية على أنها "حلف ناتو إسلامي" حقيقي، حيث لا تمتلك هيكل قيادة متكامل، ولا تخطيطًا عسكريًا مشتركًا معلنًا، ولا آلية واضحة تتطلب ردًا عسكريًا ملموسًا، كما أن الاتفاق السابق بين السعودية وباكستان لم يُنفذ عمليًا قط، لا عندما هاجم اليمن المملكة، ولا عندما فعلت إيران ذلك، مما يكشف عن فجوة بين الإعلان السياسي والالتزام العملياتي، وهي فجوة تدركها إسرائيل جيدًا من تجربتها مع وعود إقليمية أخرى".
وأكد الكاتب أن "الجديد هنا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يفتح الباب، ومصر تقف على مشارفه، وهي النقطة التي يجب أن تُثير الشكوك الإسرائيلية، فقد صرح صراحةً بأن الاتفاقية "ليست موجهة ضد أي دولة، وهي مفتوحة لانضمام جميع الدول الشقيقة التي تسعى للسلام والازدهار والاستقرار في المنطقة"، وهذا ليس مجرد كلام عابر، فقد صرح مسؤول تركي في السياق نفسه بأن دولًا إقليمية أخرى قد تنضم، مما يُعزز احتمالية تطور التحالف إلى كتلة أمنية أوسع، على غرار نموذج توسع حلف الناتو".
وختم بالخسان بالقول إن "مصر كانت حاضرة في المشهد قبل التوقيع بفترة طويلة، فقد شاركت في جولة ربع سنوية من المحادثات مع الدول الثلاث، ورغم أنها لم تنضم حتى الآن، لكن غيابها ليس رفضًا أو تضاربًا في المواقف، بل نتيجة مسار دبلوماسي منفصل، كما تُعمّق باكستان تعاونها الأمني الثنائي مع مصر والأردن، مما يُهيئ بنية تحتية طبيعية لانضمامهما مستقبلًا، وإن لم يكن ذلك فوريًا، حيث يواجه الأردن تهديدات أمنية مباشرة من إسرائيل والعراق واليمن، مما يجعله مرشحًا طبيعيًا للانضمام للتحالف إذا استمر التصعيد مع إيران".
سيبقى القلق الإسرائيلي قائما من التحالف الناشئ، حتى لو لم يضع في نصوص تأسيسه دولة الاحتلال هدفاً له، على اعتبار أنها كيان غاصب عدواني، ويشكل مصدر عدم الاستقرار في المنطقة برمّتها.
