كان الطفل إسلام أحمد عجوري أحدث شهيد يرتقي الأسبوع الماضي برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال وجوده على تلة عسكر شرقي مدينة نابلس، في مشهد يعيد إلى الواجهة تاريخ هذا الموقع الذي ارتبط بالمقاومة الفلسطينية على مدار عقود، قبل أن يتحول في الفترة الأخيرة إلى منطقة تستهدف فيها قوات الاحتلال الشبان الفلسطينيين.
وتقع تلة عسكر إلى الشرق من مخيم عسكر الجديد، وتشرف على عدد من القرى الواقعة في المنطقة، فيما يمر الطريق المحاذي لها ضمن المسارات التي تستخدمها قوات الاحتلال خلال اقتحاماتها لمدينة نابلس ومخيماتها، وكذلك في تأمين حركة المستوطنين باتجاه مستوطنة "ألون موريه".
ويرتبط الموقع بتاريخ طويل من المواجهة مع الاحتلال، إذ برز خلال الانتفاضة الأولى، ثم عاد إلى واجهة الأحداث خلال الانتفاضة الثانية، حين استخدمه شبان فلسطينيون نقطة متقدمة في مواجهة قوات الاحتلال ومركباتها العسكرية.
وفي تلك المرحلة، ارتقى عدد من الفلسطينيين في المكان، بينهم خميس عبد الله، أحد أبرز مؤسسي كتائب شهداء الأقصى، الذي استشهد في 17 كانون الثاني/يناير 2002 بعد اشتباك مع القوات الإسرائيلية.
وقال الناشط الميداني أنس الخطيب إن: "شهدت تلك المرحلة ارتقاء عدد من الشهداء خلال وجودهم على التلة، من بينهم أحد أبرز مؤسسي كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح، خلال الانتفاضة الثانية، الشهيد خميس عبد الله (45 عاماً) في 17 يناير/ كانون الثاني 2002، وذلك في كمين نصبته القوات الخاصة الإسرائيلية له بين أشجار زيتون وصنوبر عالية، كان يتمركز فيها لإطلاق النار من رشاش يحمله على مستوطنة ألون موريه على الجبل المقابل. وهو اشتبك مع القوات الإسرائيلية، وأوقع اصابات في صفوفها قبل أن يُستشهد".
ولم يقتصر استهداف الاحتلال للموجودين في التلة على تلك المرحلة، إذ ارتقى لاحقاً عدد من الأطفال، بينهم بشار زبارة وجميل الجبجي وعدي الطنطاوي ومنتصر العكة، وكانوا في سن الثالثة عشرة تقريباً، قبل أن تشهد المنطقة فترة من الهدوء النسبي.
وعادت التلة خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة المواجهة، بالتزامن مع تصاعد نشاط مجموعات المقاومة في شمال الضفة الغربية، ومحاولات الاحتلال تنفيذ عمليات توغل في نابلس ومناطقها الشرقية.
وخلال الأشهر الماضية، شهد الموقع سلسلة عمليات استهداف أودت بحياة شبان من مخيم عسكر الجديد. ففي 17 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أصيب محمد أبو كشك برصاص الاحتلال أثناء وجوده في المنطقة، ومنعت قوات الاحتلال طواقم الإسعاف من الوصول إليه لأكثر من ساعة، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بإصابته.
وفي السادس من كانون الثاني/يناير الماضي، استشهد معتز المدني في ظروف مشابهة، ثم لحق به عادل بشكار في 14 شباط/فبراير الماضي.
ويرى الخطيب أن استهداف الفلسطينيين في التلة يعكس سياسة مباشرة تجاه الموجودين فيها، قائلاً: "يقتل جنود الاحتلال الفلسطينيين مباشرة وقصداً، والسؤال ماذا فعل هؤلاء كي يقتلوا وتجرى تصفيتهم حتى الرمق الأخير؟ وبعد استشهاد هؤلاء الشبان، يستمر الفلسطينيون في إصرارهم على أن التلة ليست مجرد نقطة في الجغرافيا، بل شهادة على صمود الأجيال".
وهكذا، لم تعد تلة عسكر في الذاكرة المحلية مجرد موقع جغرافي يطل على مخيم عسكر والقرى المحيطة به، بل ارتبط اسمها خلال العقود الماضية بمحطات متعاقبة من المواجهة، وصولاً إلى استشهاد إسلام أحمد عجوري، الذي أضاف اسمه إلى قائمة ضحايا المكان، فيما يواصل الموقع حمل دلالته باعتباره جزءاً من ذاكرة المخيم ومقاومته.
