25.13°القدس
24.85°رام الله
23.96°الخليل
30.08°غزة
25.13° القدس
رام الله24.85°
الخليل23.96°
غزة30.08°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

تقارير "فلسطين الآن"..

الكلمة التي أصبحت جبهة.. "أبو عبيدة" مهندس الإعلام العسكري في صراع الوجود وفرض معادلات الردع

خاص-فلسطين الآن

يصادف اليوم الذكرى السنوية لرحيل فارس الإعلام المقاوم وصوت الأمة الهادر، القائد حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام (حماس)، والذي مرّ عام كامل على نيله أمنيته الأسمى التي طالما صدح بها: "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"، ليعرج إلى ربه شهيداً مقبلاً غير مدبر جراء غارة صهيونية غادرة استهدفت حياً سكنياً بقلب غزة، ملتحقاً بكوكبة القادة الأبرار وعائلته الطاهرة.

ولم يكن "الملثم الأول" مجرد ناطق رسمي يلقي بياناً عابراً، بل تحول بكوفيته الحمراء وبلاغته المستمدة من آيات الذكر الحكيم إلى جبهة قتالية قائمة بذاتها، أدارت الحرب النفسية والسياسية باقتدار وحيرت أجهزة الاستخبارات الدولية على مدار عقدين من الزمن.

وبمناسبة هذه الذكرى التاريخية الأليمة، تفتح "وكالة فلسطين الآن" في هذا التقرير الإعلامي التحليلي الموسع ملف الإعلام العسكري في الحروب، لتفكيك عناصر القوة في إرث هذا الرجل، والدور الإستراتيجي الذي لعبته خطاباته في صناعة التأثير النفسي، والسياسي، والجماهيري، وكيف تحولت الكلمة الصادقة المقاومة إلى سلاح ردع إستراتيجي يتفوق على ترسانات الكذب والتضليل الصهيونية والغربية الغاشمة.

الكلمة جبهة قتالية..

في الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تقتصر على الاشتباك الميداني المباشر بالبارود والنار؛ بل أصبحت المعركة الإعلامية وتوجيه الرأي العام جبهة موازية لا تقل خطورة وإستراتيجية عن ميدان القتال. نجحت المقاومة الفلسطينية، وتحديداً كتائب القسام عبر شخصية "أبو عبيدة"، في اجتراح فلسفة إعلامية قائمة على مبدأ أن "الكلمة طلقة، والبيان جبهة".

لقد تجاوز الإعلام العسكري للمقاومة دور الناقل التقليدي للأخبار، ليتحول إلى صانع للأحداث وموجه للديناميكيات السياسية والعسكرية.

وتمثلت عناصر القوة في هذا الإعلام في تحطيم "الاحتكار الدعائي" الذي تمتع به الاحتلال الصهيوني لعقود طويلة بفضل هيمنته ولوبياته في وسائل الإعلام الغربية.

من خلال تقديم سردية فلسطينية وعربية أصيلة، مسنودة بالتوثيق الميداني الحي بالصوت والصورة، استطاعت جبهة الكلمة المقاومة تفكيك الأكاذيب الصهيونية في مهدها، وبناء جدار ثقة سميك مع الجماهير جعل من خطابات المتحدث العسكري مرجعية الحقيقة الأولى والوحيدة وسط ركام التضليل الرسمي للكيان.

التفكيك النفسي للعدو..

وتُعد الحرب النفسية الركيزة الأساسية التي استندت إليها خطابات الشهيد "أبو عبيدة" لإحداث شرخ عميق في الجبهة الداخلية للعدو. من الناحية السيكولوجية، يعتمد مجتمع الاحتلال الصهيوني على عقيدة "الجيش الذي لا يقهر" كعامل أمان وجودي؛ وحينما كانت إطلالات أبو عبيدة تخرج لتعرض الحقائق الموثقة لآلياتهم المدمرة وجنودهم الصرعى من مسافة الصفر، كانت هذه الصورة تضرب صميم المنظومة النفسية للمستوطنين والجنود على حد سواء.

وتجلت عبقرية الحرب النفسية لدى القائد الشهيد في فرض "معادلة الصدق المطلق"، حيث اعترفت المعاهد الأمنية ومحللو الإعلام في تل أبيب مراراً بأن الشارع الصهيوني يصدق بيانات "أبو عبيدة" أكثر مما يصدق المتحدثين الرسميين لجيشهم وحكومتهم.

هذا الاختراق السيكولوجي جعل من إطلالاته سلاحاً هادماً للروح المعنوية للاحتلال؛ فحينما كان يتوعد بقصف "تل أبيب" أو مستوطنات بعينها في ساعة محددة، كانت الحياة تصاب بشلل تام في الكيان، ويهرع الملايين إلى الملاجئ امتثالاً لوعيده، في مظاهرة عملية غير مسبوقة تثبت تحكم لسان المقاومة بسيكولوجية العدو وتوجيه حركته الميدانية.

الحنكة الإعلامية..

شكل ملف أسرى العدو الصهيوني في قبضة المقاومة أحد أعقد الملفات الإستراتيجية التي أدارها الشهيد القائد بحنكة واقتدار إعلامي فائق الصرامة.

لم تكن البيانات المتعلقة بالأسرى مجرد معلومات، بل كانت رسائل سياسية ونفسية موجهة بدقة لتفكيك التماسك الداخلي للكيان والضغط على صناع القرار في تل أبيب.

واستخدم أبو عبيدة سياسة "الصدمات النفسية المتتالية" الموجهة لعائلات الأسرى الصهاينة والشارع الصهيوني؛ فحينما كان يكشف بالصوت والصورة عن مقتل أسرى صهاينة جراء الغارات الهستيرية والعشوائية لجيشهم، كان يحول "الإنجازات" العسكرية المزعومة لحكومة بنيامين نتنياهو إلى إخفاقات أخلاقية وعسكرية ذريعة أمام مجتمعهم.

هذا التوجيه الإعلامي الدقيق نجح في تحويل ملف الأسرى إلى أزمة سياسية داخلية خانقة ومستمرة للاحتلال، وولّد ضغطاً شعبياً صهيونياً متصاعداً يطالب بوقف الحرب والنزول عند شروط المقاومة، مما نقل العبء النفسي والعسكري بالكامل إلى أروقة القرار في الكيان.

فرض الأجندة الإعلامية على الفضائيات العالمية..

تحولت خطابات أبو عبيدة بمرور السنوات، ولا سيما منذ انطلاق معركة "طوفان الأقصى" الخالدة، من مجرد بيانات فصائلية إلى "أجندة إخبارية عليا" تفرض نفسها بقوة الإقناع والمضمون على كبريات الفضائيات ووكالات الأنباء الدولية.

وبمجرد أن تنشر المنصات الرسمية للمقاومة تنويهاً عن "كلمة مرتقبة للناطق العسكري"، كانت غرف الأخبار في المحطات العالمية تدخل في حالة استنفار شامل لترتيب البث المباشر الفوري وتجهيز المترجمين الفوريين والخبراء الإستراتيجيين.

ومن الناحية السياسية، كانت خطاباته تمثل صياغة للمواقف الإستراتيجية للمقاومة؛ حيث كان يحدد بوضوح شروط الميدان، ويرسم خطوط التفاوض العريضة، مبيناً للعالم أجمع أن بندقية المقاومة هي التي تقود الدبلوماسية وليست تابعة لها.

وخضعت خطاباته للتحليل والدراسة الدقيقة من قبل أجهزة الاستخبارات ومراكز الأبحاث الصهيونية والغربية، التي فككت كل كلمة، وكل إيماءة يد، وحتى نوع السلاح أو الخلفية البصرية، في محاولة بائسة لاستنباط معلومات استخباراتية أو تحديد موقعه، وهو ما عجزوا عنه تماماً على مدار عقود طويلة حتى نال شرف الشهادة.

الحاضنة الشعبية وتثبيت الروح المعنوية..

في المقابل من هدم معنويات العدو، ركزت العقيدة الإعلامية للشهيد "أبو عبيدة" على بناء وتدعيم الروح المعنوية للحاضنة الشعبية الوفية للمقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية وكافة أماكن تواجد شعبنا. أدرك القائد أن صمود الجبهة الداخلية هو الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات العسكرية، ولذلك كانت خطاباته تفيض بعبارات التقدير والوفاء لشعبنا الأبي.

تحول نداؤه الخالد والشهير: "يا أهلنا ويا تيجان رؤوسنا" من مجرد عبارة خطابية إلى ميثاق تلاحم عضوي ومصيري بين البندقية والشعب. كان أبو عبيدة يشرك الجماهير في تفاصيل المعركة، متحدثاً بلسان حالهم، ومقاسماً إياهم آلام الحصار والتدمير والنزوح المرير فوق عربات النزوح وتحت ألسنة اللهب.

هذا الصدق والتواضع الإنساني الملموس رسخ القناعة لدى المواطن الفلسطيني بأن المقاومة لا تقاتل في معزل عنه، بل تلتحم بآلامه وآماله، مما أفشل خطط الاحتلال الخبيثة الساعية لإنتاج فجوة أو شرخ بين الشارع وبندقية القسام الباسلة.

الثورة الرقمية العالمية..

على مدار عام كامل من الغياب الجسدي للشهيد القائد، خاض الشارع الرقمي العربي والإسلامي والعالمي معركة ضارية ضد خوارزميات ومقصات الرقابة الشرسة الصارمة التي فرضتها شركات التكنولوجيا الكبرى بالتواطؤ مع الرقابة الصهيونية لمحو صوته وصورته.

ورغم هذا الحظر الشامل، أبدع الناشطون والأحرار في إبقاء "أبو عبيدة" حاضراً كأيقونة متجددة في الفضاء الإلكتروني.

وبادر ملايين الناشطين إلى بث مقاطع فيديو قصيرة تدمج مقتطفات من خطاباته التاريخية السابقة مع تطورات الأحداث والمواجهات الميدانية الحالية، للتأكيد على أن رؤيته الاستشرافية للمواجهة كانت دقيقة وصائبة.

وانتشرت على نطاق واسع جداً لوحات فنية رسمت بالذكاء الاصطناعي وتصاميم "الغرافيتي" الرقمي التي تخلد لثامه وكوفيته الحمراء، مما جعل صورته الرمزية تتصدر واجهات الحسابات الشخصية لملايين الشباب حول العالم، لتتحول صورته إلى رمز عالمي لمقاومة الاضطهاد والظلم يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

إرث الرمز واستمرارية المدرسة الإعلامية..

إن ارتقاء القائد حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة" شهيداً مقبلاً غير مدبر في معركة الدفاع عن الأمة ومقدساتها كشف عن الوجه الحقيقي لمدرسة المقاومة الفلسطينية، فالقادة في قاموسنا لا يموتون بل يخلدون بدمائهم، والراية التي تروى بدم الناطق الرسمي لا تسقط بل يتلقفها ملثمون آخرون تربوا في ذات الصرح الإعلامي والعسكري المحترف.

وترك الشهيد خلفه إرثاً إعلامياً مؤسسياً متكاملاً يتسم بالدقة، والموضوعية، والقدرة الفائقة على مواصلة الحرب النفسية بذات الكفاءة والزخم.

ولقد أثبتت كتائب القسام من خلال تقديم ناطقها العسكري الجديد الذي حمل ذات اللقب "أبو عبيدة" أن البناء العسكري والتنظيمي للمقاومة عصي على الانكسار، وأن رحيل الأشخاص — مهما بلغت قاماتهم — لا يعني بحال من الأحوال تراجع الفكرة، بل يضخ دماءً جديدة تزيد الثورة إصراراً على مواصلة الدرب حتى النصر والتحرير.
 

المصدر: فلسطين الآن