24°القدس
23.74°رام الله
22.86°الخليل
29.27°غزة
24° القدس
رام الله23.74°
الخليل22.86°
غزة29.27°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

صوتٌ تجذّر في الأرض والوجدان .. 

"أبو عبيدة" في ذكرى ارتقائه.. نبض الشارع يروي حكاية الرمز الذي لا يغيب

خاص-فلسطين الآن

تحل اليوم الذكرى السنوية لرحيل فارس الإعلام المقاوم وصوت الأمة الهادر، القائد حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

عامٌ كامل مرّ على ذلك اليوم الذي نال فيه "الملثم الأول" أمنيته الأسمى التي طالما صدح بها في ختام بياناته: "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"، ليعرج إلى ربّه شهيداً مقبلاً غير مدبر جراء غارة صهيونية غادرة استهدفت حياً سكنياً بقلب مدينة غزة، ملتحقاً بكوكبة القادة الأبرار وعائلته الطاهرة .

ولم يكن أبو عبيدة مجرد ناطق رسمي يلقي بياناً جافاً وسط أزيز الرصاص؛ بل تحول بكوفيته الحمراء الملثمة وبلاغته المستمدة من آيات الذكر الحكيم إلى أيقونة عالمية للحرية ومقارعة الغطرسة الصهيونية.

بمناسبة هذه الذكرى التاريخية الأليمة، تنزل "وكالة فلسطين الآن" إلى الميدان، لتستصرح قلوب الناس في الشارع الفلسطيني  عبر مقابلات وشهادات حية مع كبار السن، والشباب، والأطفال. نسألهم: "من هو أبو عبيدة بالنسبة لكم؟ وما هي اللحظة الأكثر رسوخاً في ذاكرتكم لإطلالاته؟" لنرصد في هذا التقرير، كيف تحول هذا القائد الشهيد من غياب جسدي تحت الثرى إلى حضور أسطوري يقاتل في ميدان الوعي ويأبى الغياب.

من هو "أبو عبيدة" الذي حيّر أجهزة الاستخبارات؟..

قبل الغوص في نبض الشارع، لا بد من التذكير بالبطاقة التعريفية لهذا الرمز الذي هز الكيان على مدار عقدين من العمل المؤسسي المحترف. ولد حذيفة سمير الكحلوت عام 1984 في مخيم جباليا الصامد بشمال قطاع غزة، لأسرة مجاهدة هُجّرت من قرية "نعليا" المحتلة عام 1948.

نشأ القائد بين أزقة المخيم الذي شهد شرارة الانتفاضة الأولى، وحفظ القرآن الكريم في مساجده، متفوقاً في دراسته الأكاديمية حتى نال درجة الماجستير من كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة عام 2013 عن أطروحته "الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام"، وهو ما تفسره البلاغة القرآنية والعمق العقائدي في خطاباته.

بدأت حكايته الإعلامية العسكرية في أكتوبر من عام 2004 خلال معركة "أيام الغضب" حينما أطل متلثماً للمرة الأولى من داخل مسجد "النور" بجباليا ليعلن تدمير آليات الاحتلال [1.2.2، 1.5.3]. ومنذ ذلك الحين، اعتُمد رسمياً ناطقاً باسم القسام، فقاد معارك الإعلام المقاوم والحرب النفسية عبر صراع ممتد شمل عملية "الوهم المتبدد" وأسر جلعاد شاليط عام 2006، مروراً بحروب 2008 و2012 و2014، وصولاً إلى معركة "سيف القدس" عام 2021، وانتهاءً بالملحمة التاريخية الكبرى "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023 .

وظل لثامه لغزاً عصياً على أعتى أجهزة الاستخبارات الدولية حتى ارتقائه شهيداً في الثلاثين من أغسطس عام 2025 في غارة استهدفت حي الرمال بغزة، ليتم الإعلان رسمياً عن هويته في بيان زف القادة التاريخي بسبتمبر اللاحق.

ترياق الانكسار واستعادة زمن العزة المفقود..

في جولتنا الميدانية بساحات الصمود ومخيمات اللجوء، التقينا بالحاج أبو أحمد (74 عاماً)، الذي كان يجلس متكئاً على عصاه وعيناه تملأهما دموع الفخر والاشتياق. عندما سألناه "ماذا يعني لك أبو عبيدة؟"، صمت برهة ثم قال بصوت متهدج: "يا بني، أبو عبيدة بالنسبة لجيلي لم يكن مجرد مقاتل؛ كان ترياقاً لسنوات الهزيمة والانكسار التي عشناها منذ نكبة 48 ونكسة 67. كنا نعيش زمناً نرى فيه الجيوش العربية تتراجع، وحينما ظهر هذا الملثم، أعاد إلينا الأمل بأن هذه الأرض لها رجال يحمونها، وأن الحق لا يموت بالتقادم".

وعن أكثر اللحظات التي يتذكرها ولا تفارق مخيلته، يبتسم الحاج السبعيني ويتابع: "لن أنسى أبداً ليلة الحادي عشر من مايو عام 2021 في معركة سيف القدس. حينما خرج وقال بلهجة حازمة: (بأمر من قائد الأركان أبو خالد الضيف، تُرفع الكاميرا عن قصف تل أبيب لمدة ساعتين، لتنظروا إلى حجم دماركم). في تلك الليلة، نمت وأنا أشعر لأول مرة في حياتي أننا نملك قادة صادقين، إذا قالوا فعلوا، وإذا توعدوا دكوا عروش الطغاة. غاب أبو عبيدة بجسده اليوم، لكنه زرع في قلوبنا يقيناً بالتحرير لن يمحوه غيابه المادي".

أما الحاجة أم إبراهيم (68 عاماً)، والتي هُجّرت عائلتها من مدينة المجدل، فتقول والزغاريد تكاد تخرج من حنجرتها رغم ألم الفقد: "أبو عبيدة هو ابني البار، وهو صوت الحق الذي أنطق عزة فلسطين. أكثر لحظة حفرت في قلبي هي حينما كان يبدأ خطابه في طوفان الأقصى بنبرته الحنونة قائلاً: (يا أهلنا ويا تيجان رؤوسنا). كنا وسط القصف والدمار والنزوح، وحينما نسمع هذه الكلمات، نشعر أن جراحنا تهون، وأن هناك من يقدر تضحياتنا ويحتمي بعد الله بصمودنا. رحل أبو عبيدة شهيداً مع عائلته، وتلك ميزتنا كفلسطينيين؛ قادتنا يستشهدون في مقدمة الصفوف ولا يهربون".

أيقونة الوعي وقائد المعركة النفسية الشرسة..

في أروقة التجمع الشبابي والمنصات الرقمية، يختلف التعاطي مع إرث أبو عبيدة؛ فالشباب يرون فيه "الجنرال الإعلامي الكاريزمي" الذي استطاع بجهود ذاتية ومؤسسية هزيمة الماكنة الإعلامية الصهيونية والغربية المدعومة بمليارات الدولارات. يتحدث الشاب محمد (24 عاماً)، وهو طالب في الهندسة، لـ "وكالة فلسطين الآن" قائلاً: "أبو عبيدة يعني لنا هندسة الوعي؛ هو الرجل الذي حطم السردية الصهيونية القائمة على التضليل. كنا كشباب نتابع منصات التواصل ونرى حجم الرقابة الرقمية الشرسة ومحاولات حظر صوته وصورته، فكنا نتحدى هذه الخوارزميات ونعيد نشر كلماته وتصميم صوره بالذكاء الاصطناعي. لقد علمنا كيف ندير الحرب النفسية، وكيف نكون أصحاب المبادرة لا متلقين للهزيمة".

وعن اللحظة الأكثر رسوخاً في ذاكرة محمد، يقول دون تردد: "إنها اللحظة التي أعلن فيها في أكتوبر 2023 عن أسر واحتجاز عشرات من جنود وضباط جيش الاحتلال في قبضة القسام، وتوعد الكيان بأن قصف البيوت على الآمنين سيقابله إعدام الأسرى بالصوت والصورة. كانت تلك اللحظة نقطة تحول مرعبة؛ شعرنا أن المقاومة تقود المعركة بندية كاملة، وأن زمن الاستفراد الصهيوني بشعبنا قد ولى إلى غير رجعة. أبو عبيدة غاب كشخص، لكنه ترك خلفه عقيدة إعلامية كاملة، واليوم نرى ملثمين جدداً يحملون ذات الرسالة بذات الصلابة والدقة".

ومن جانبه، يرى الناشط الرقمي أحمد (28 عاماً) أن غياب أبو عبيدة الجسدي لم يزده إلا رسوخاً: "المفارقة العجيبة أننا بعد عام على استشهاده، لا نزال نستخدم مقتطفات صوته وفواصل كلماته كـ (تريندات) دائمة على تيك توك وإنستغرام للتعبير عن القوة والتحدي. أكثر كلمة أتذكرها له هي سخريته من دبابات الميركافا والترسانة الصهيونية حين قال إنها تُدمر (بقذائف الياسين وصناعة المجاهدين من مسافة الصفر). هذه العبارة تحولت من توصيف عسكري إلى منهج حياة للشباب؛ علمنا أن الإيمان وعدالة القضية أقوى من أعتى التكنولوجيات العسكرية العقمية. رحل حذيفة الكحلوت، لكن أبو عبيدة الفكرة سيبقى حياً في فضاء الوعي الرقمي".

"الملثم الحقيقي" الذي أزاح أبطال الوهم الغربيين..

لقد كان لأبو عبيدة أثراً تربوياً وعقائدياً عميقاً في قلوب الأطفال والناشئة، حيث استطاع بلثامه وكوفيته إزاحة الرموز المصطنعة والأبطال الوهميين السينمائيين الذين يحاول الإعلام الغربي فرضهم على عقول الصغار، ليزرع بدلاً منهم مفهوم "البطل الحقيقي" القائم على التضحية والفصاحة والعزة.

التقينا بالطفل يوسف (10 سنوات)، الذي كان يرتدي كوفية حمراء مرقطة ويلفها حول وجهه مقلداً لثام القائد الشهيد. سألناه ببراءة الطفولة وعزة غزة: "ماذا يعني لك أبو عبيدة يا يوسف؟"، فأجاب وعيناه تشعان ذكاءً: "أبو عبيدة هو البطل الحقيقي، هو عمو اللي كان يطلع على التلفزيون ويخوف الصهاينة ويخلينا نرفع راسنا فوق. أنا لما أكبر بدي أصير زيه، أحفظ القرآن وأدافع عن المسجد الأقصى والقدس".

وعن أكثر لقطة يحفظها ويتذكرها، قام يوسف برفع إصبعه السبابة بثقة تحاكي تماماً إيماءات القائد وقال: "بتذكر لما كان يحكي في آخر كل بيان بصوته القوي: (وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد)، أنا وأصحابي في المدرسة كنا بنستنى الكلمة هاي وبنعيدها وراه في الساحة. ولما عرفنا إنه استشهد مع أولاده ييمان وليان ومنة الله، زعلنا كتير، بس عرفنا إنه هلقيت في الجنة، وإحنا رح نضل حافظين كلامه ومش رح ننساه أبداً".

الطفلة سارة (12 عاماً)، والتي هُدم منزل عائلتها في الحرب، شاركتنا حديثها قائلة: "أبو عبيدة يعني لنا الأمان الصادق. في الحرب، لما كان يطلع ويحكي عن بطولات المجاهدين في الشجاعية وخانيونس وجباليا، كنا بنفرح وبنبطل نخاف من صوت الطيارات. أكثر لحظة بتذكرها إله هي لما ظهر في خطابه الأخير بشهر يوليو 2025 وقال للأمة: (أنتم خصومنا أمام الله)، وحذرهم من ترك الأقصى وحيداً، كلامه كان ببكينا لأنه كان بيحكي بوجع وحب لفلسطين. غيابه الجسدي بوجعنا، بس صوته لسا برن في دانينا كل يوم".

كيف تلتحم شهادات الشارع مع حقيقة العقيدة الإعلامية؟..

تثبت هذه المقابلات الحية والشهادات العفوية من مختلف الأجيال أن كتائب القسام نجحت من خلال ظاهرة الشهيد "أبو عبيدة" في بناء حائط صد وجداني وعقائدي عصي على الانكسار.

إن المفارقة التي يعيشها الكيان الصهيوني اليوم، بعد عام كامل من اغتيال حذيفة الكحلوت، تتمثل في أنهم ظنوا أن كتم الصوت سيؤدي إلى انهيار الروح المعنوية للفلسطينيين وتراجع اهتمام الإعلام الدولي بالمقاومة، لكن الواقع الميداني والشعبي يثبت العكس تماماً؛ فالناس لم يتعاملوا مع رحيله كإخفاق، بل كشهادة شرف طالما تاق إليها القائد، مما صبغ خطاباته السابقة بصبغة "الوصايا المقدسة" التي تعاد قراءتها وتفكيك شفراتها مع كل حدث سياسي أو عسكري جاري.
 

المصدر: فلسطين الآن