25.13°القدس
24.85°رام الله
23.96°الخليل
30.08°غزة
25.13° القدس
رام الله24.85°
الخليل23.96°
غزة30.08°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

تقارير "فلسطين الآن"..

خلف اللثام حكاية إنسان .. "أبو عبيدة" كما رآه بيته وعاشرته أزقة المخيم غائباً حاضراً

خاص-فلسطين الآن

تحل الذكرى السنوية لرحيل صوت المقاومة الهادر، القائد حذيفة سمير الكحلوت "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذي ترجل نائلاً أمنيته الكبرى في الشهادة والتحليق إلى علياء المجد. وطوال عقدين من الزمان، انشغل العالم بتفكيك شفرات خطابات هذا الرجل، وتأمل ثبات كوفيته الحمراء، ونبرة صوته الجهورية التي كانت تهز عروش الأعداء؛ غير أن وراء هذا اللثام الصارم كانت تختبئ حكاية إنسانية دافئة، تفوح بطهر العبادة، ولين المعشر، والأبوة الحانية.

تفتح "وكالة فلسطين الآن" في هذا التقرير الإنساني والاجتماعي الخاص، الدفاتر العائلية الدافئة للشهيد القائد "أبو إبراهيم" — وهي كنيته الحقيقية بين أهله وخلانه — راصدة ملامح حياته اليومية البسيطة من واقع الشهادات الحية الموثقة التي أدلى بها إخوانه وأقاربه عقب الإعلان الرسمي عن استشهاده.

ابن المخيم البسيط..

ينتمي حذيفة الكحلوت إلى تلك الطبقة الكادحة من أبناء مخيم جباليا الصامد، ذلك الجيل الذي رضع لبان الثورة وعاش تفاصيل الحصار الشامل.

ويروي رفقاء دربه ومعارفه في عائلة الكحلوت والنشطاء الذين عايشوه عن قرب في فترات سابقة، أن حذيفة لم يكن منفصلاً عن واقعه المأساوي؛ بل كان رجلاً بسيطاً من أبناء غزة البسطاء، تراه يجلس في أوقات فراغه النادرة على رمل الشاطئ يبتسم في وجوه المارة، ممسكاً بحفنة "بذر" يضحك مع أفراد عائلته كأي مواطن عادي يحلم ببلد حر مستقل.

تلك البساطة الآسرة كانت تتناقض بشدة مع الهالة العسكرية المروعة التي كانت تحيط برجل تلاحقه أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم، فكانت قوته في لثامه، ورقته في خلوته مع أهله وشعبه.

مدرسة الأخلاق والقرآن داخل البيت..

تحدث شقيق الشهيد، أسيد الكحلوت، بكلمات تقطر فخراً وحزناً لوسائل الإعلام، واصفاً شقيقه "أبو إبراهيم" بأنه كان إنساناً هادئاً جداً، يفيض تديناً وتقوى، وكان شديد الارتباط العضوي بالقرآن الكريم منذ طفولته المبكرة.

ويضيف أسيد أن القائد الشهيد جعل من بيته الصغير مدرسة قرآنية متكاملة؛ فكان يستشهد بآيات الله في نصحه وتوجيهه لإخوانه وأبنائه حتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية والمنزلية العادية.

لم يكن "أبو عبيدة" داخل جدران منزله جنرالاً يلقي الأوامر، بل كان ابناً باراً بوالديه إلى أبعد الحدود، وأخاً حنوناً يتلمس احتياجات إخوانه، حريصاً على غرس قيم العزة والأنفة في كل من يحيط به.

القائد الذي زرع الرجولة بلطف الأبوة..

من أكثر الجوانب الإنسانية إيلاماً وإشراقاً في آن واحد، تلك اللقطات المرئية التي أفرجت عنها عائلته عقب رحيله، والتي ظهر فيها القائد وهو يداعب نجله الأصغر "يمان" الذي نال شرف الشهادة بين يديه وفي نفس اليوم. في ذلك الفيديو العائلي، يظهر "أبو عبيدة" بملابسه المدنية البسيطة يمازح طفله بلطف الأب الحاني، ويسأله بابتسامة: "ما عاصمة فلسطين؟"، فيجيب الصغير ببديهية بريئة: "القدس".

ويؤكد شقيق الشهيد الآخر، عبد الله الكحلوت، أن شقيقه كان يمثل شخصية فريدة نادرة تجمع بين القيادة والأبوة، وبين الشراسة في وجه الأعداء واللطف الشديد مع أهله وأطفاله، حيث كان حريصاً على تعليمهم كتاب الله بنفسه. ولقد أثمرت هذه التربية؛ إذ أتم ابنه الأكبر "إبراهيم" حفظ القرآن الكريم كاملاً، في حين تمكنت ابنتاه الشهيدتان "ليان ومنة الله" من إتمام حفظ المصحف الشريف كاملاً خلال أيام الحرب الأخيرة وتحت دوي القصف والنزوح المستمر.

الرحلة فوق عربات النزوح والعيش القاسي..

لم تكن عائلة الشهيد حذيفة الكحلوت تعيش في أبراج مشيدة أو معزل عن آلام الشارع الغزي؛ بل تجرعت عائلته كأس المعاناة والنزوح المرير كبقية العائلات المكلومة في غزة.

ويروي شقيق زوجته المقرب (أم إبراهيم) تفاصيل مروعة عن تضحيات شقيقته والعائلة خلال حرب الإبادة الجماعية، متحدثاً عن رحلات النزوح المتكرر والقصف الصهيوني المتواصل الذي لاحقهم من حي إلى حي، وظروف العيش البائسة والقاسية التي واجهتها العائلة دون أي تمييز أو امتيازات. حتى أن الفيديوهات التي انتشرت لاحقاً أظهرت القائد حذيفة الكحلوت يتنقل في بعض فترات الحرب رفقة عائلته فوق عربة بدائية يجرها حيوان ("كارو")، ملتزماً بالاختلاط التام مع أبناء شعبه، ومقاسمتهم ذات المعاناة والظروف المعيشية الصعبة، وهو ما عزز من مكانته الإنسانية في قلوب الناس الذين أدركوا أن ناطقهم العسكري يعيش المأساة معهم خطوة بخطوة.

اللقاء الأخير والوصية الخالدة..

يكشف شقيق الشهيد في شهادته الموثقة عن تفاصيل اللقاء العائلي الأخير الذي جمعهم بالقائد قبل استشهاده بفترة وجيزة، مشيراً إلى أن معنويات "أبو إبراهيم" كانت تعانق السماء، وكان يدرك تماماً منذ اليوم الأول لارتدائه اللثام أن الطريق الذي سلكه محفوف بالمخاطر ولا ينتهي إلا بنصر مؤزر أو شهادة في سبيل الله.

ويضيف شقيقه أن الوعي بدنو الأجل لم يكن يوماً مصدراً للخوف أو التراجع لديه، بل كان دافعاً عظيماً لمواصلة الواجب.

وكانت وصيته الأخيرة والملحة لجميع أفراد عائلته ومحبيه تتلخص في عبارة واحدة كررها بوجل: "ابقوا على الحق والثبات حتى لقاء الله جل وعلا"، مؤكداً لهم أن الدماء والتضحيات التي تقدم في غزة مرتبطة بعقيدة الأمة والدفاع عن مسرى نبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

الاستشهاد الجماعي والالتحام بدم الشعب..

في الثلاثين من أغسطس عام 2025، صدق اللهَ فصدقه؛ حيث نال القائد حذيفة الكحلوت أمنيته التي لطالما صدح بها في ختام بياناته "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد". ارتقى "أبو عبيدة" شهيداً إثر غارة جوية صهيونية غادرة استهدفت مكاناً كان يتواجد فيه في حي الرمال بقلب مدينة غزة.

ولم يعرج الفارس إلى ربه وحيداً؛ بل ارتقى برفقته زوجته الصابرة المحتسبة "أم إبراهيم"، وابنتاه الطاهرتان "ليان ومنة الله"، ونجله الصغير "يمان"، ليمتزج دمه بدم عائلته وأبناء شعبه في ملحمة تضحية عز نظيرها في التاريخ الحديث، بينما نجا ابنه الأكبر "إبراهيم" ليبقى شاهداً وحاملاً لإرث والده العظيم.

وإن إزاحة اللثام عن اسم حذيفة سمير الكحلوت وحياته الشخصية عقب استشهاده لم تزد الرمز إلا بريقاً وعظمة في قلوب الملايين، فلقد اكتشف العالم أن الرجل الذي كان يدير الحرب النفسية باقتدار ضد كيان مدجج بالسلاح، كان يملك قلباً رقيقاً يتسع لحب الأطفال، والبر بالوالدين، وحياطة عائلته بالقرآن الكريم.

غاب جسد حذيفة الكحلوت وعائلته تحت ثرى غزة العظيم، وتلقفت روحه ملائكة الرحمن، لكن الإرث الإنساني والجهادي العظيم الذي تركه خلفه سيبقى شعلة متقدة تنير دروب الأجيال القادمة، وتثبت للاحتلال أن دماء القادة وعائلاتهم هي الوقود الحقيقي لقطار التحرير العائد حتماً إلى باحات المسجد الأقصى المبارك.
 

المصدر: فلسطين الآن