26.66°القدس
26.38°رام الله
25.36°الخليل
30.67°غزة
26.66° القدس
رام الله26.38°
الخليل25.36°
غزة30.67°
الأحد 30 اغسطس 2026
4.03جنيه إسترليني
4.2دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
2.98دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.2
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي2.98

تقارير "فلسطين الآن"..

زلزال الوعي وصوت الحقيقة.. "أبو عبيدة" الجنرال الإعلامي الذي هزم سردية الاحتلال وانتظر العدو كلماته

خاص-فلسطين الآن

تحل اليوم الذكرى السنوية لارتقاء الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، "أبو عبيدة"، شهيداً على طريق ذات الشوكة فوق ثرى غزة الطاهر، بعد مسيرة جهادية استثنائية صاغ خلالها مدرسة إعلامية مقاومة غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.

لم يكن هذا الفارس الملثم مجرد متحدث رسمي يلوح ببيان عسكري عابر وسط أزيز الرصاص، بل كان ظاهرة إعلامية وحالة إستراتيجية متكاملة فرضت نفسها كلاعب أساسي في إدارة المعارك وبناء معادلات الردع النفسي والعسكري.

في هذه الذكرى، تقف وكالة "فلسطين الآن" في هذا التقرير التحليلي الموسع لتفكيك عناصر القوة في إرث هذا الرجل الذي تحولت خطاباته إلى أحداث كونية تشل حركة مدن الاحتلال، وتجبر قادة العدو وجنرالاته، قبل جمهوره، على الجلوس بإنصات وترقب لتحليل كل حرف ونبرة وإشارة إصبع، مستعرضين كيف أعادت هذه الإطلالات صياغة وعي الأمة وهزيمة الماكنة الدعائية الصهيونية.

هوية بصرية وصوتية فريدة..

امتازت الظاهرة الإعلامية للشهيد "أبو عبيدة" بتأسيس هوية بصرية وصوتية فريدة حطمت فوراً المساعي الصهيونية والغربية لتشويه صورة المقاتل الفلسطيني. فالكوفية الحمراء الملثمة المرتبطة تاريخياً بنضال الفلاح والمقاوم في الوجدان الشعبي، والبزة العسكرية المرقطة المنضبطة، شكلت معاً كاريزما "البطل الشعبي" البديل عن الأبطال الوهميين.

من الناحية التحليلية لعلوم الاتصال، كان الغموض المحيط بشخصيته يمنح خطاباته هالة من المهابة العسكرية، بينما كانت نبرة صوته الهادئة، المستقرة، والمفعمة بالبلاغة القرآنية واللغة العربية الفصحى، تمثل النقيض التام للارتباك والتخبط الذي كان يظهر على المتحدثين باسم جيش الاحتلال.

هذا التميز البصري والصوتي جعل تأثيره يعبر حدود الجغرافيا الفلسطينية ليصبح رمزاً عالمياً للتحرر، رفعت الشعوب وأحرار العالم صوره الافتراضية في كبرى الميادين والجامعات الدولية كأيقونة لمعركة الحق ضد الباطل.

الصدق المقاوم في مواجهة التضليل الصهيوني..

إن القوة الضاربة التي ميزت خطابات الناطق العسكري، وجعلت الأمة والعدو يترقبونها على حد سواء، ارتكزت بالأساس على "مصداقية الميدان السوداء" التي صنعتها كتائب القسام بالدم والبارود. في بيئة الحروب الحديثة حيث يطغى التضليل، انتهجت المقاومة سياسة إعلامية تقوم على الصدق الشديد، فلم يبع أبو عبيدة الأوهام للجمهور، ولم يخف حجم التضحيات، بل كان يزاوج بين نقل آلام أبناء شعبنا الأبطال وبين عرض الإنجازات العسكرية الموثقة بالصوت والصورة عبر عدسات "الإعلام العسكري".

وعندما كان قادة الاحتلال يخرجون في مؤتمراتهم الصحفية ليعلنوا تدمير قدرات المقاومة، كانت إطلالة أبو عبيدة بعد ساعات قليلة كفيلة بنسف الرواية الصهيونية بالكامل، حين يعلن بدقة إحصائية عدد الآليات العسكرية المدمرة والجنود المصابين من مسافة الصفر، ليتحول حديثه إلى الحقيقة الوحيدة التي يبحث عنها الجميع وسط ركام التضليل الرسمي للاحتلال.

وتجلت قمة الحرب النفسية وسيكولوجية التحكم بالعدو في قدرة خطابات الشهيد القائد على اختراق الوعي الجمعي للمجتمع الصهيوني، إلى الحد الذي جعل مستوطني الكيان وقادته يثقون برواية المقاومة أكثر من وثوقهم ببيانات حكومتهم وجيشهم.

هذا التقدير الصهيوني لم يكن من منطلق الإعجاب، بل جاء قسراً نتيجة التلازم الدائم بين الكلمة والفعل لدى المقاومة. فحينما كان أبو عبيدة يتوعد بقصف "تل أبيب" أو قسماً من المستوطنات في ساعة محددة، كانت الحياة في الكيان تصاب بشلل تام، ويهرع الملايين إلى الملاجئ طوعاً وتنفيذاً لوعيده العسكري.

لقد أدار الشهيد ملف أسرى العدو بحنكة إعلامية فائقة الصرامة، محولاً خطاباته الموجهة لعائلات الأسرى الصهاينة إلى سياط تلهب ظهر حكومة نتنياهو المتطرفة، ومفككاً جبهتهم الداخلية عبر كشف حقيقة أن غارات جيشهم الهستيرية هي التي تقتل أبناءهم، مما نقل الضغط النفسي والعسكري بالكامل إلى أروقة القرار في تل أبيب.

بيانات تتحول إلى حدث عالمي..

وعلى مستوى وسائل الإعلام والفضائيات العالمية، كانت كلمة أبو عبيدة بمثابة "الأجندة الإخبارية العليا" التي تفرض نفسها دون استئذان. بمجرد أن تعلن المنصات الرسمية للمقاومة عن موعد بث خطاب جديد، كانت غرف الأخبار في كبرى القنوات الدولية والمحلية تدخل في حالة استنفار شامل، فتقطع برامجها المعتادة لترتيب البث المباشر الفوري، مستعينة بالمترجمين والخبراء الإستراتيجيين لتفكيك مضامين الكلمة.

ولم تكن الخطابات مجرد مادة خبرية عابرة، بل كانت تتحول فوراً إلى وثائق عسكرية تخضع للتحليل الأمني الدقيق من قبل أجهزة الاستخبارات الصهيونية، التي عجزت على مدار عقود عن تتبع مسار هذا الصوت أو تحديد مكانه حتى لحظة ارتقائه شهيداً.

وفي العالم الرقمي، نجحت كلمات الشهيد في كسر مقصات الرقابة الغربية الشرسة وخوارزميات الحظر؛ إذ تسابق ملايين الناشطين في إعادة إنتاج مقتطفات من كلماته وتحويلها إلى تصاميم مرئية وأناشيد حماسية تتصدر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم.

الراية لن تسقط والفكرة لا تموت..

ولا يمكن قراءة الأثر العميق للشهيد القائد دون الالتفات إلى الدور التربوي والتعبوي الذي أحدثه في نفوس جيل التحرير الصاعد. لقد نجح أبو عبيدة من خلال خطاباته في إعادة صياغة الوعي العربي والإسلامي نحو قضية القدس وفلسطين، مستخدماً عبارات عميقة لامست شغاف القلوب، مثل ندائه الدائم للحاضنة الشعبية في غزة "يا أهلنا ويا تيجان رؤوسنا"، وهو النداء الذي عمق التلاحم العضوي بين الحاضنة والبندقية وجعل من الصمود الأسطوري جداراً تتحطم عليه كل المؤامرات.

ومن خلال مدرسته الخطابية، بات الأطفال والشباب في شتى أرجاء المعمورة يرتدون الكوفية الحمراء ويسعون لإتقان لغته الرصينة وإيماءات يده الواثقة، مما يعني أن استشهاد الجسد لم يزد الفكرة إلا تجذراً في عقول الأجيال التي ستواصل الدرب حتماً نحو النصر والتحرير.

إن ارتقاء القائد حذيفة الكحلوت "أبو عبيدة" شهيداً مقبلاً غير مدبر في معركة الدفاع عن مقدسات الأمة كشف عن الوجه الحقيقي لمدرسة المقاومة الفلسطينية؛ فالقادة في قاموسنا لا يموتون بل يخلدون بدمائهم، والراية التي تروى بدم الناطق الرسمي لا تسقط بل يتلقفها ملثمون آخرون تربوا في ذات الصرح الإعلامي والعسكري المحترف.

ترك الشهيد خلفه إرثاً إعلامياً مؤسسياً متكاملاً يتسم بالدقة، والموضوعية، والقدرة الفائقة على مواصلة الحرب النفسية بذات الكفاءة والزخم، لتستمر مسيرة الإعلام المقاوم بذات القوة مكملة مسيرة البندقية على الأرض.

وبعد عام على غياب هذا الصوت الهادر أثبت أن "أبو عبيدة" لم يكن ظاهرة صوتية مؤقتة، بل كان وما زال مدرسة فكرية وعقيدة إعلامية راسخة لا تنتهي برحيل الأجساد. ستبقى كلماته الخالدة، وفي مقدمتها "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"، شعارات محفورة في قاموس العزة والكرامة الإنسانية، ومنارات تضيء طريق السائرين نحو الحرية.

لقد رحل الفارس الملثم بجسده إلى علياء المجد، لكن صوته الرصاصي لا يزال يتردد في فضاءات الوعي، معلناً للاحتلال وأعوانه أن الفكرة لا تموت، وأن المقاومة ستبقى حية، تقاتل، وتدير المعركة باقتدار حتى يأذن الله بنصره المؤزر، ويرتفع علم فلسطين عزيزاً حراً فوق مآذن المسجد الأقصى المبارك وكل ربوع وطننا المحرر.

المصدر: فلسطين الآن