نشر الباحثان في معهد القدس للأمن والاستراتيجية افرايم عنبر وحاييم عسا دراسة مهمة حملت عنوان هل إسرائيل قوة إقليمية؟
مقدمة
تعافت إسرائيل بسرعة من الهجوم المفاجئ الذي شنته المقاومة الفلسطينية صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانتقلت إلى الهجوم المضاد. وفي أعقاب النجاحات العسكرية التي حققها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الحرب متعددة الجبهات التي تلت ذلك، أخذ سياسيون وخبراء في الشؤون الاستراتيجية يعلنون بصورة متزايدة أن إسرائيل أصبحت قوة إقليمية وأنها غيّرت وجه الشرق الأوسط.
ويُستخدم في العبرية تعبير "مَعَتسَما إيزوريت" (قوة إقليمية)، بما يعني النظر إلى إسرائيل باعتبارها أكثر من مجرد دولة قوية.
ولا شك في أن الإنجازات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في غزة وحزب الله في لبنان، وإقامة منطقة أمنية في سوريا، والهجمات على البنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية في عمليتي الأسد الصاعد في يونيو/حزيران 2025 والأسد الهادر في 2026، قد حسّنت الوضع الأمني لإسرائيل وعززت مكانتها الإقليمية.
فقد أظهرت إسرائيل قدرات عسكرية واستخبارية استثنائية، وألحقت بأعدائها أثمانًا باهظة. كما حققت إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا عندما انضمت الولايات المتحدة إلى المواجهة العسكرية مع إيران، وهي دولة تعهّدت بتدمير إسرائيل وامتلكت وسائل تهدد وجودها.
لكن الفحص النقدي للقول بأن إسرائيل أصبحت قوة إقليمية يثير شكوكًا حول ما إذا كانت الدولة اليهودية قد بلغت بالفعل هذه المكانة. فالقوة الإقليمية تتطلب القدرة على ممارسة تأثير كبير يتجاوز حدود الدولة، وعلى تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. وفي وقت كتابة هذا النص، فإن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب اعتماد إسرائيل على القرارات التي تُتخذ في واشنطن، يعززان الشكوك في التقديرات المبالغ فيها بشأن مكانة إسرائيل وقوتها الإقليمية.
وتكتسب المسألة أهمية أساسية لأنها تتعلق بكيفية تحديد إسرائيل لأهدافها في المنطقة. فالدول يجب أن تختار أهدافًا تتناسب مع الوسائل المتاحة لتحقيقها. ولا ينبغي إهدار الموارد في محاولات عقيمة لتحقيق أهداف طموحة وغير واقعية على حساب أهداف أخرى يمكن تحقيقها.
يناقش الجزء الأول من هذه الورقة المعايير التي تجعل الدولة القوية، في رأينا، قوة إقليمية. أما الجزء الثاني فيبحث فيما إذا كانت إسرائيل تستوفي هذه المعايير. وتعرض الخاتمة خطوطًا إرشادية لسياسة خارجية وأمنية واقعية في ضوء المكانة الإقليمية الفعلية لإسرائيل.
ما هي القوة الإقليمية؟
لا تقدم الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بتصنيف الدول في النظام الدولي وأنظمته الإقليمية تعريفًا واضحًا ومتفقًا عليه لمفهوم «القوة الإقليمية».
والقوة الإقليمية، أي الفاعل البارز في منظومة دولية إقليمية، تُقارن عادة بالقوة العظمى العالمية، وهي الفاعل المهم في النظام الدولي العالمي.
وبخلاف القوة العظمى العالمية، التي تمتلك مصالح في أنحاء العالم وقادرة على ممارسة النفوذ على المستوى العالمي، تمتلك القوة الإقليمية قوة كافية لممارسة نفوذ فعّال أساسًا في محيطها المباشر، لكنها تفتقر إلى القدرات التي تمكّنها من منافسة القوى العظمى على المستوى العالمي.
وتوجد قوى إقليمية في مختلف أنحاء العالم: البرازيل في أمريكا الجنوبية، ونيجيريا وجنوب أفريقيا في أفريقيا، والهند في جنوب آسيا، وإيران وتركيا في الشرق الأوسط، على سبيل المثال.
والمعايير النسبية، وليس المطلقة، هي الأساس في تحديد القوة الإقليمية، إذ تُقاس الدول مقارنة بالدول الأخرى داخل منطقة جغرافية محددة.
لكن مفهوم القوة الإقليمية ليس مقياسًا تدريجيًا؛ فهو ليس سلّمًا توجد عليه درجات متصاعدة. وكما في النظام العالمي، إما أن تكون الدولة قوة داخل النظام أو لا تكون. وليس كل دولة قوية بالضرورة قوة إقليمية في منطقتها. فهناك شروط حدّية ينبغي استيفاؤها.
وتزداد الأحكام تعقيدًا لأن حدود المنطقة نفسها قد تكون غير واضحة. فمثلًا، هل ينبغي اعتبار باكستان جزءًا من الشرق الأوسط بسبب سكانها المسلمين، أم أن ارتباطها بشبه القارة الهندية يجعلها جزءًا من النظام الإقليمي لجنوب آسيا؟
كما أن بعض الدول تشغل موقعًا مهمًا في عدة أنظمة إقليمية. فتركيا، مثلًا، ترى نفسها فاعلًا أوروبيًا وشرق أوسطيًا ومتوسطيًا وأسود البحر في الوقت نفسه.
القوة العسكرية
تاريخيًا، كانت القوة العسكرية أهم معيار لقوة الدولة، ولا تزال معيارًا أساسيًا.
في الماضي، كان المقياس الرئيسي للقوة الوطنية هو عدد الجنود الذين تستطيع الدولة تعبئتهم وإرسالهم إلى ساحة المعركة. وكان ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على حجم السكان والقدرة الاقتصادية على تمويل جيش دائم.
أما اليوم، فتُقاس القوة العسكرية ليس فقط بعدد القوات، وإنما أيضًا بتطور المعدات والأسلحة، ومستوى التدريب، ونوعية القيادات العسكرية.
ومن وجهة نظرنا، يجب على القوة الإقليمية أن تمتلك قدرة عسكرية تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد غزو الدول المجاورة، وإقامة ردع يمنع الهجمات عليها أصلًا.
وفوق ذلك، ينبغي أن تكون قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية خارج حدودها داخل منطقتها الجغرافية. والقدرة على إسقاط القوة على مسافات بعيدة بواسطة سلاح جو أو بحرية أكبر من معظم الدول المجاورة هي سمة للقوة الإقليمية.
وفي بعض الأحيان، يشكل امتلاك السلاح النووي أو سلاح دمار شامل آخر، إلى جانب القدرة على إيصاله إلى مسافات بعيدة، علامة على القوة الإقليمية. والهند، التي سلحت نفسها نوويًا، مثال على قوة إقليمية في جنوب آسيا.
والقوة العسكرية تهدف إلى إلحاق الألم بالخصوم كي يوافقوا على مطالب القوة الإقليمية. لكن كل حرب تنطوي أيضًا على حساب آخر: أي الطرفين يستطيع تحمل قدر أكبر من الألم، سواء في صورة خسائر بشرية أو أضرار اقتصادية؟
وعادة ما تظهر الدول الديمقراطية قدرة أقل على التحمل، ما لم تُنظر إلى الحرب باعتبارها وجودية أو لا مفر منها، أي حرب لا خيار فيها وفق التعبير السياسي الإسرائيلي، أو باعتبارها تخدم مصالح شديدة الأهمية.
لذلك، فإن استعداد الدولة لتحمل تكاليف العمليات العسكرية الضرورية لاكتساب مكانتها كقوة إقليمية والحفاظ عليها أمر أساسي. وهذا الاستعداد ضروري إذا أرادت الدولة الدفاع عن مصالح تتجاوز مجرد بقائها.
القوة الاقتصادية
المعيار الآخر المهم هو القوة الاقتصادية، لأنها ضرورية لبناء قوة عسكرية عالية الجودة، وهي مهمة أصبحت أكثر تكلفة بمرور الوقت.
ويُعد الناتج المحلي الإجمالي المقياس الكمي الأساسي للقوة الاقتصادية، وهو يعتمد جزئيًا على حجم السكان. أما الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيشير إلى الكفاءة الاقتصادية ومستوى معيشة السكان، وهو مقياس ثانوي.
ويشكل حجم السكان عنصرًا آخر بالغ الأهمية للقوة الاقتصادية. فالدولة ذات السكان الكثيرين توفر عادة سوقًا كبيرة ومهمة لجيرانها، وقد يصبح هؤلاء الجيران بالتالي معتمدين اقتصاديًا عليها.
وبالمقارنة مع الدول الأخرى في المنطقة، تحتل القوة الإقليمية عادة مرتبة مرتفعة في المؤشرات الاقتصادية. وغالبًا ما تكون اقتصاداتها أكبر وأكثر تطورًا من اقتصادات جيرانها، ما يمنحها قدرة أكبر على تحمل الحروب الطويلة.
كما يجب النظر إلى طبيعة الإنتاج الاقتصادي. فالصناعات الثقيلة، وصناعة السلاح، والمنتجات التي تتضمن تكنولوجيا متقدمة تمنح القوة والنفوذ، وكذلك السيطرة على السلع الاستراتيجية مثل الطاقة والمعادن النفيسة والنادرة.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد المتنوع أفضل من الاعتماد على منتج واحد، مهما كان هذا المنتج مهمًا. فالدول النفطية، مثلًا، تظل معرضة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
ولا تستطيع إلا قلة قليلة من الدول إقامة اقتصاد مكتفٍ ذاتيًا بالكامل. فالعولمة تدفع الدول إلى استغلال ميزتها النسبية في إنتاج السلع لتقليل تكاليفها في الأسواق العالمية. لكن الاندماج الأكبر في الاقتصاد العالمي يعني أيضًا اعتمادًا أكبر على التجارة الخارجية، وهو ما يجعل الدول الصغيرة أكثر عرضة للعقوبات والمقاطعة الاقتصادية.
النفوذ الإقليمي
الاعتراف هو العامل الأساسي في النفوذ الإقليمي.
فالقوة الإقليمية هي الدولة التي يأخذ جيرانها والدول الأخرى في منطقتها مصالحها في الحسبان. وقد يكون هذا الاعتراف علنيًا أو سريًا، لكنه يمثل جوهر العلاقة بين القوة الإقليمية والدول المحيطة بها.
ومن دون اعتراف بعض الدول الأخرى على الأقل بمكانتها المتقدمة، يصعب على الدولة أن تصبح قوة إقليمية.
ويمكن أن يظهر النفوذ من خلال العلاقات الثنائية أو المنظمات الإقليمية، حيثما وجدت.
كما تتميز القوة الإقليمية بقدرتها على تشكيل ائتلافات إقليمية وقيادة المفاوضات بين الدول حول القضايا التي تمس عدة دول.
وقد تمتلك مجال نفوذ تكون فيه تفضيلاتها ذات وزن كبير. وعندما توجد عدة دول يُنظر إليها باعتبارها قوى إقليمية بسبب قوتها العسكرية أو الاقتصادية، ينشأ نظام إقليمي متعدد الأقطاب تتنافس فيه هذه الدول على مجالات النفوذ.
وهناك أيضًا القوة الناعمة، وهي النفوذ غير العسكري وغير الاقتصادي. وهي أقل فاعلية في نظام دولي هوبزي، حيث يميل الفاعلون إلى متابعة مصالحهم وفق مبدأ القوة تصنع الحق.
لكن في الأنظمة الإقليمية التي لا يُنظر فيها إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة لتحقيق الأهداف السياسية، يمكن للغة أو الدين أو الثقافة المشتركة أن تسهل حصول الدولة على مكانة قوة إقليمية.
ومع ذلك، فهي ليست شرطًا كافيًا. فالتقارب الثقافي أو الوحدة الدينية لا يمكن أن تعوض تضارب مصالح الدول. وإيران الشيعية، مثلًا، دعمت أرمينيا المسيحية في مواجهتها مع أذربيجان الشيعية حول إقليم ناغورنو كاراباخ.
الاستعداد للتصرف كقوة إقليمية
كما أن الاعتراف من الآخرين شرط ضروري، فإن الاستعداد للتصرف كقوة إقليمية شرط ضروري أيضًا.
فالدولة التي تتبنى سياسة انعزالية تهدف إلى تقليص تفاعلها مع دول المنطقة لا يمكن تصنيفها قوة إقليمية.
القوة العسكرية والاقتصادية شرطان أساسيان، لكن من دون الإرادة السياسية لاستخدام هذه الموارد لتحقيق أهداف سياسية وممارسة القيادة، ستدرك الدول الأخرى هذه القيود وتستنتج أن الدولة التي تحصر نفسها في نطاقها الضيق لا يمكن الاعتماد عليها.
ومن دون استعداد لمواجهة دول المنطقة، عسكريًا إذا لزم الأمر، تفتقر الدولة إلى الإمكانات اللازمة لكي تصبح قوة إقليمية.
المكانة المتقدمة عبر الزمن
لا تُكتسب مكانة القوة الإقليمية من خلال حدث واحد، بل عبر إثبات التفوق بمرور الوقت ومن خلال أحداث متعددة.
ويتضح التفوق عندما يؤدي تدخل الدولة إلى النتائج التي تسعى إليها.
فالنجاح الواحد لا يحوّل الدولة إلى قوة إقليمية.
كما أن قدرتها على الصمود أمام ظروف دبلوماسية وعسكرية واقتصادية صعبة، مع استمرارها في ممارسة النفوذ، تمثل معيارًا مهمًا.
هل إسرائيل قوة إقليمية؟
عند قياس إسرائيل بدقة وفق هذه المعايير، تظهر صورة مختلطة.
فهي تؤدي أداءً ممتازًا في بعض المجالات، وجزئيًا في مجالات أخرى، بينما أداؤها ضعيف في بعض المعايير، وهو ما يحد من قدرتها على أن تصبح قوة إقليمية.
عسكريًا، تمتلك إسرائيل أحد أقوى الجيوش وأكثرها تقدمًا تكنولوجيًا في المنطقة، مع قدرات متطورة جوًا وبحرًا وبرًا.
ووفق تقديرات أجنبية، فهي أيضًا الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرة نووية، وتحافظ عليها في إطار سياسة الغموض النووي.
وفي الحرب المفروضة عليها منذ 7 أكتوبر 2023، أظهرت إسرائيل قدرات عسكرية مثيرة للإعجاب، وتعافت بسرعة من غزو حماس لمنطقة النقب الغربي.
وأضعفت حماس وحزب الله وإيران، لكنها واجهت صعوبة في وقف نيران الحوثيين من اليمن.
كما حققت إسرائيل في الماضي انتصارات حاسمة على الجيوش العربية.
لكن القدرة العسكرية الإسرائيلية ذات طبيعة وقائية في المقام الأول.
فهي تستطيع إحباط تهديدات لإسرائيل، مثل تصعيد العنف من قبل التنظيمات المسلحة، أو منع دول من التحول إلى قوى نووية، كما فعلت مع العراق وسوريا.
وتستند عقيدة جز العشب إلى تقليص قدرة أعداء إسرائيل على إلحاق الضرر بها من خلال هجمات دورية على تشكيلاتهم وقدراتهم العسكرية.
وكما فهم دافيد بن غوريون، فإن إسرائيل تفتقر إلى القدرة على فرض السلام على الدول المعادية، أو تغيير خياراتها السياسية الأساسية، أو تغيير موقف المجتمعات المحيطة بها من الدولة اليهودية.
وبموجب عقيدة الجدار الحديدي، فإن الهدف المباشر للقوة العسكرية الإسرائيلية هو تأجيل الجولة العسكرية المقبلة على أمل تحقيق ردع مؤقت.
وعلى المدى الطويل، كان الهدف من العمل العسكري، إلى جانب ترسيخ الدولة، تشكيل الطريقة التي يتعلم بها خصوم إسرائيل من تجاربهم وكيف ينظرون إليها.
والأمل هو أن تؤدي القوة العسكرية والانتصارات الإسرائيلية إلى إطلاق عملية تاريخية تجعل إسرائيل في نهاية المطاف أمرًا واقعًا.
لكن هذا المنطق لا ينطبق بالضرورة على الجيوش الإرهابية التابعة للحركات الإسلامية المتطرفة، التي تتمتع بدعم السكان الذين تعمل بينهم، فضلًا عن مساعدات خارجية كبيرة لبناء قدراتها العسكرية.
فهؤلاء المتشددون المسلمون ذوو الدوافع العالية أقل حساسية تجاه التكاليف التي يتحملونها في صراعهم مع إسرائيل، مما يجعل إضعاف التزامهم بتدميرها أمرًا صعبًا.
ولهذا، فإن جز العشب يهدف في مثل هذه الحالات فقط إلى تقليص قدراتهم على إلحاق الضرر بإسرائيل.
المشكلة الإسرائيلية: القدرة على الضرب لا تعني القدرة على فرض النتائج
المجتمع الإسرائيلي، من جانبه، يُظهر قدرًا كبيرًا من الصمود الاجتماعي، خصوصًا عندما يُنظر إلى الصراع العسكري باعتباره حربًا لا خيار فيها.
لكن عندما تبدأ أجزاء كبيرة من الجمهور الإسرائيلي بالتشكيك في عدالة الحرب أو فائدتها، تتراجع استعداداتها للمشاركة في المجهود الحربي وتحمل تكاليفه.
وتشير دراسات الرأي العام المتعلقة بالحروب في الدول الديمقراطية إلى نمط مشابه.
وفي إسرائيل أيضًا تؤثر هذه المشاعر الواسعة في صناع القرار.
فقد نفذت حكومات إسرائيلية، تحت ضغط الجمهور، انسحابات أحادية الجانب من جنوب لبنان وغزة من دون الحصول على مكسب دبلوماسي مقابل.
وقد تتطلب القوة الإقليمية أحيانًا تنفيذ عمليات عسكرية لا يمكن بسهولة وصفها بأنها حرب لا خيار فيها.
وليس مؤكدًا على الإطلاق أن المجتمع الإسرائيلي سيرحب بمثل هذه العمليات، خصوصًا بعد الحرب الطويلة منذ 7 أكتوبر.
تستخدم إسرائيل قوتها العسكرية للتأثير في المنطقة، خصوصًا في المناطق القريبة من حدودها.
فهي تواجه إيران وحزب الله وحماس، وتؤثر في التوازن الاستراتيجي في سوريا ولبنان وغزة.
لكن نفوذها يتراجع كلما ابتعدنا عن الحدود الإسرائيلية.
ومثال ذلك مساعدتها للأكراد، التي تمثل شكلًا أكثر محدودية وثانوية من التدخل.
كما فشلت إسرائيل في منع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية من اليمن البعيد، رغم أن الأضرار الكبيرة التي ألحقتها بالحوثيين ربما ساهمت في قرارهم وقف إطلاق النار على الدولة اليهودية.
لا تملك إسرائيل شبكة نفوذ إقليمية مثل إيران
تستطيع إسرائيل إسقاط قوتها في الشرق الأوسط عبر سلاح الجو والبحرية والقوات الخاصة.
لكنها لا تمتلك وكلاء إقليميين comparable لوكلاء إيران، يعملون لتحقيق هدف مشترك واسع المدى هو تدمير إسرائيل.
كما أنها لا تحافظ على وجود عسكري معلن خارج المناطق العازلة التي أقامتها مؤخرًا.
أما تركيا، على سبيل المثال، فلديها وجود عسكري بعيد عن حدودها في ليبيا وقطر والصومال.
وكلما ابتعد الكيان عن إسرائيل، أصبح نفوذها أكثر محدودية.
كما أن نفوذها على دول قريبة وقوية نسبيًا مثل مصر والسعودية محدود جدًا.
ولا تستطيع إسرائيل استخدام قوتها العسكرية لتغيير طبيعة النظام الإقليمي أو قواعد اللعبة فيه.
فالشرق الأوسط، بخلاف أنظمة إقليمية أخرى، يتميز بارتفاع مستويات إدراك التهديد لدى جميع الدول تقريبًا، كما أن استخدام القوة العسكرية مقبول كجزء من أدوات السياسة.
والشرق الأوسط مصدر للتطرف الإسلامي والإرهاب والانتشار النووي، ولا تستطيع القوة العسكرية الإسرائيلية تغيير هذه الخصائص بصورة كبيرة.
كما لا يبدو أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية في الحرب الأخيرة أحدثت تغييرات جوهرية في الشرق الأوسط.
ولا نملك بعد المنظور التاريخي اللازم لإثبات أن تغييرات أساسية حدثت في المنطقة بسبب النشاط الإسرائيلي.
القوة المستعارة من الولايات المتحدة
بشكل عام، لا يُنظر إلى الاستخدام الإسرائيلي المتكرر للقوة العسكرية بصورة إيجابية في المنطقة، وبالتأكيد ليس علنًا.
ويتعزز العداء تجاه إسرائيل بسبب حقيقة أن قوتها العسكرية تقوم على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، أي نوع من القوة المستعارة.
وعلى الرغم من أن دولًا كثيرة في المنطقة تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها مزودًا للأمن، فإن معظم سكان المنطقة ما زالوا يرونها قوة أجنبية ذات نزعات استعمارية.
والأهم من ذلك أن القوة العسكرية الإسرائيلية مقيدة باعتمادها السياسي والعسكري على الولايات المتحدة.
فواشنطن هي المورد الرئيسي للسلاح لإسرائيل، كما أنها تحد من حرية إسرائيل في العمليات العسكرية.
وعلاقات الراعي والعميل تمثل نقطة ضعف كبيرة لأي دولة صغيرة.
محدودية القدرة على التحمل العسكري
طورت إسرائيل على مر السنين صناعة سلاح مثيرة للإعجاب، لكن استمرارها يعتمد على الوصول إلى الأسواق الأجنبية.
وحتى لو امتلكت إسرائيل البنية التكنولوجية لإنتاج أي منتج عسكري تقريبًا، فإن إنتاج كميات إضافية محليًا سيفرض عبئًا اقتصاديًا هائلًا.
ولا يمكن الاستغناء عن مورد للسلاح يستفيد من اقتصاديات الحجم.
فالولايات المتحدة، مثلًا، تنتج الطائرات المقاتلة من نوع واحد بآلاف الوحدات.
ومن العوامل المهمة أيضًا افتقار إسرائيل إلى القدرة التشغيلية على الاستمرار في جميع المجالات الرئيسية للحرب، من الجو إلى العمليات البرية.
وتتمثل نقطة الضعف الأساسية في سلاح الجو، الذي يمثل «الذراع الطويلة» للجيش الإسرائيلي.
وقد أثبت قدرات استثنائية في السنوات الأخيرة، خصوصًا ضد التهديدات بعيدة المدى مثل إيران.
لكن قدرته على الاستمرار في حملة عالية الكثافة محدودة.
فالحرب عالية الكثافة ضد خصم قادر على تحمل تكاليف الحرب لفترة طويلة، مثل إيران أو تركيا، قد تتطلب قدرة أكبر بكثير على الاستمرار.
وبعبارة أخرى، بعد فترة محدودة من القتال عالي الكثافة، تصبح إسرائيل معتمدة على قرارات ومصالح ونوايا قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، التي تحدد قدرتها على مواصلة الحرب.
وهذا الاعتماد يشمل القنابل الموجهة بدقة وقطع غيار الطائرات المقاتلة، وحتى العجلات.
كما تحتاج إسرائيل إلى المساعدة الأمريكية لتعزيز قدرات الاعتراض مثل "آرو 2"، وخصوصًا "آرو 3"، الذي يعترض الصواريخ خارج الغلاف الجوي.
وتصبح هذه القدرة ضرورية في ضوء الاستخدام الإيراني المتزايد للصواريخ الباليستية المزودة برؤوس عنقودية.
القوة الاقتصادية الإسرائيلية محدودة
رغم مكانتها كواحدة من أكثر اقتصادات المنطقة تطورًا، وارتفاع الناتج المحلي للفرد، وامتلاكها صناعة تكنولوجية عالمية المستوى، فإن القوة الاقتصادية الإسرائيلية محدودة.
ففي النهاية، تعتمد إسرائيل، شأنها شأن الدول الصغيرة الأخرى، على الأسواق الخارجية.
وقد اندمج اقتصادها بنجاح في الاقتصاد العالمي، لكنه يظل صغيرًا وأكثر تعرضًا من الاقتصادات الكبيرة للاتجاهات الاقتصادية العالمية التي لا تستطيع السيطرة عليها.
ولا تمتلك إسرائيل الحجم الذي يسمح لها بالاكتفاء الذاتي.
كما أن تجارتها مع دول المنطقة محدودة، ولا تجعل شركاءها التجاريين الإقليميين يعتمدون عليها.
فمعظم دول الشرق الأوسط تجري الجزء الأكبر من تجارتها مع دول خارج المنطقة.
وبالمقابل، تمتلك دول مثل السعودية وإيران أصولًا اقتصادية تمنحهما نفوذًا عالميًا، خصوصًا بسبب سيطرتهما على موارد الطاقة والإيرادات الناتجة عنها، فضلًا عن سيطرة إيران على مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية.
إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة
إن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في بناء القوة العسكرية، من خلال إنتاج المخزونات اللازمة للصمود الكبير ـ مثل صواريخ آرو 3 ـ سيتطلب إنفاقًا دفاعيًا ضخمًا.
وهذا المسار ينطوي على مخاطر اقتصادية كبيرة، لأن جزءًا كبيرًا من الاستثمار قد يذهب هباءً إذا لم تُستخدم المخزونات، في حين يأتي هذا الإنفاق على حساب احتياجات دفاعية أخرى.
وبالتالي يبدو أن زيادة القدرة الإسرائيلية على الصمود العملياتي تتجاوز القدرة الاقتصادية لإسرائيل.
وستواصل إسرائيل الاعتماد على حليف استراتيجي، أي الولايات المتحدة، لأطول فترة ممكنة.
لكن التحالفات ليست أبدية.
فالتغيرات الديموغرافية والسياسية داخل الولايات المتحدة تخلق صعوبات لإسرائيل، وقد تضطر إلى الاستعداد لظروف أقل ملاءمة.
القوة السياسية والدبلوماسية
تظهر صورة مختلطة أيضًا في مجال القوة السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية.
فقد نجحت إسرائيل في استثمار مزاياها في التكنولوجيا العسكرية والمياه والزراعة والاتصالات والطب لإقامة علاقات تجارية وأمنية.
والعلاقات بين الدول تقوم أساسًا على المصالح، وقد أصبحت إسرائيل على مر السنوات دولة لديها ما تقدمه.
لكن علاقتها الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة تمثل في الوقت نفسه أصلًا وقيودًا على حرية حركتها الإقليمية.
فالولايات المتحدة ما زالت تولي الشرق الأوسط أهمية، ولديها فيه وجود عسكري ومصالح سياسية واقتصادية.
وبالتالي تستطيع إسرائيل أن تخدم المصالح الأمريكية وأن تزيد من قيمتها الاستراتيجية، لكنها لا تستطيع أن تفعل ما تشاء.
ومن الأمثلة المعروفة وقف إطلاق النار الذي يُفرض أحيانًا على إسرائيل بواسطة الساعة الدبلوماسية.
وأي تجدد للنشاط العسكري الإسرائيلي ضد إيران ينتظر الضوء الأخضر من واشنطن.
كما تتدخل الولايات المتحدة عادة في مبيعات السلاح الإسرائيلية، وهي إحدى أدوات الدبلوماسية الإسرائيلية، وفق اعتبارات سياسية واقتصادية أمريكية.
تراجع التعاطف الأمريكي يضر بإسرائيل
كانت العلاقة الوثيقة بين القدس وواشنطن، إلى جانب التعاطف القوي ـ وإن كان يتراجع ـ مع إسرائيل في الولايات المتحدة، مصدر قوة.
فمكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي تؤثر طبيعيًا في كيفية النظر إلى حليفها.
ومن ثم فإن تراجع مكانة الولايات المتحدة ينعكس سلبًا على إسرائيل.
وقد اعتُبرت إسرائيل بوابة إلى واشنطن، وانبهرت دول كثيرة بنفوذ اللوبي الإسرائيلي، ولا سيما إيباك، في الولايات المتحدة، وسعت إلى الاستعانة بإسرائيل في معالجة قضاياها داخل واشنطن.
لكن التحولات في السياسة الأمريكية التي تشير إلى تراجع الدعم لإسرائيل معروفة على نطاق واسع، وهي تضر بقدرتها على ممارسة النفوذ داخل النظام السياسي الأمريكي.
علاقات إسرائيل العربية
أبرمت إسرائيل على مر السنوات اتفاقيات سلام مع مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب، ووقعت مؤخرًا اتفاق إطار مع لبنان كخطوة نحو اتفاق سلام.
وكانت الولايات المتحدة راعيًا مهمًا لكل هذه الاتفاقيات.
وفي بعض الظروف، عملت إسرائيل في الماضي كحليف غير رسمي لدول عربية.
وهناك تعاون أمني مهم بين إسرائيل والأردن والإمارات، لكنه لا يُعلن على نطاق واسع لأن التعاون لا يزال يفرض عبئًا سياسيًا على نخب هذه الدول.
كما توجد حالات معروفة لنقل معلومات استخبارية قيّمة إلى عدد من الدول العربية.
لكن معظم سكان المنطقة ما زالوا غير مستعدين لعلاقات وثيقة مع شعب الدولة اليهودية، وبالتأكيد ليسوا مستعدين لقبول إسرائيل باعتبارها قوة إقليمية شرعية.
إيران وتركيا: المفارقة الكبرى
من اللافت أن الدول التي تطمح إلى أن تصبح قوى إقليمية أصبحت في السنوات الأخيرة من أشد منتقدي إسرائيل.
فإيران وتركيا، مثلًا، تعبران علنًا عن عدائهما لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تستثمران في القدرات النووية أو التقليدية لتوسيع نفوذهما.
وكان عداؤهما لإسرائيل نتيجة تغييرات سياسية داخلية، بما فيها التطرف الديني، لكنه كان أيضًا وسيلة للتغلب على الشكوك العربية تجاه تركيا، التي حكمت العالم العربي مئات السنين، وتجاه فارس الشيعية.
وكان البلدان في الماضي حليفين لإسرائيل في مواجهة العالم العربي، وتحولهما إلى العداء الشديد يلقي بظلاله على النجاحات السياسية الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
إسرائيل ما زالت معزولة
وجدت الدول الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، التي أصبحت جزءًا من الشرق الأوسط بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، مصالح مشتركة مع إسرائيل وتحافظ على علاقات دبلوماسية وأمنية معها.
كما تقيم دول إسلامية أخرى اتصالات غير رسمية وسرية مع إسرائيل.
وخارج المنطقة، تمتلك إسرائيل أيضًا حضورًا دبلوماسيًا مهمًا.
وفي شرق البحر المتوسط، الذي تمر عبره أكثر من 90% من التجارة الدولية الإسرائيلية، استفادت إسرائيل بدرجة كبيرة من علاقاتها مع أثينا ونيقوسيا.
وتشكل هذه العلاقات معًا ما يمكن اعتباره اصطفافًا مضادًا لتركيا.
لكن إسرائيل أوضحت للدولتين أنها لن تستخدم القوة العسكرية في حال نشوب صراع بين اليونان وقبرص من جهة وتركيا من جهة أخرى.
ومع ذلك، تظل إسرائيل في معظمها معزولة في الشرق الأوسط: دولة يهودية في منطقة ذات أغلبية عربية ومسلمة ساحقة.
ولا تزال دول كثيرة في المنطقة لا تعترف بها دبلوماسيًا، وفي دول أخرى يُنظر إليها باعتبارها عدوًا.
كما أن قطاعات مهمة من سكان الشرق الأوسط تحمل مواقف عدائية تجاه إسرائيل متجذرة في الدين أو الثقافة.
حتى حيث توجد اتفاقيات سلام، تكاد العلاقات بين المجتمعات تكون معدومة، لأن الحكومات والشعوب تتحفظ تجاه الدولة اليهودية.
إنه سلام بارد.
وتغيير هذه المواقف يتطلب تغييرات في الأنظمة التعليمية العربية وقد يستغرق وقتًا طويلًا.
ولا تملك إسرائيل، بطبيعة الحال، نفوذًا ثقافيًا في المنطقة لأنها لا تُنظر إليها باعتبارها جزءًا طبيعيًا ومقبولًا منها.
كما أنها لا تقوم بحملات علاقات عامة قادرة على كسب القبول في بيئتها الإقليمية.
وحتى لو بذلت هذه الجهود، فمن المشكوك فيه جدًا أن تتمكن من التغلب على العداء المتجذر وأن تؤتي ثمارها في السنوات المقبلة.
لكي تصبح إسرائيل قوة إقليمية
ينظر كثير من سكان المنطقة إلى إسرائيل بصورة سلبية؛ فهي تُرى دولة أجنبية وعدوانية.
ولكي تحصل إسرائيل على مكانة قوة إقليمية، عليها أن تعزز الاعتقاد في المنطقة بأن وجودها طبيعي وعادي وغير قابل للشك أو التساؤل.
ولتوضيح ذلك، يمكن النظر إلى قوى عظمى مثل الولايات المتحدة أو الصين.
فبعض شعوب العالم تعارض سياساتهما بل تشعر بالعداء تجاههما، لكن أحدًا لا يشكك في وجودهما نفسه.
وليس واضحًا أيضًا أن معظم الإسرائيليين يريدون لدولتهم أن تضطلع بدور قوة إقليمية.
فهذا الدور قد يتطلب أحيانًا إرسال قوات عسكرية لتحقيق أهداف لا تخدم بالضرورة مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية أو المباشرة.
وهنا تكمن نقطة ضعف في المجتمع الإسرائيلي: فالنشاط العسكري الذي يصعب تعريفه باعتباره حربًا لا خيار فيها سيواجه معارضة شعبية.
كما تواجه إسرائيل قيودًا على حرية العمل وعلى القدرة العسكرية على الاستمرار، جزئيًا بسبب اعتمادها الكبير على الدعم الأمريكي.
الحجم والديموغرافيا
يجب أيضًا أن يأخذ أي تقييم لمكانة إسرائيل كقوة إقليمية في الاعتبار افتقارها إلى العمق الاستراتيجي: صغر أراضيها وسكانها.
فإسرائيل في جوانب كثيرة دولة صغيرة ذات قدرة تشغيلية محدودة على الاستمرار.
ولا نعرف ما الحد الأدنى للسكان الذي يمنح دولة ما إمكانية أن تصبح قوة إقليمية في الشرق الأوسط.
فتركيا وإيران، مثلًا، يزيد عدد سكان كل منهما على 90 مليون نسمة.
ومصر، التي ترى نفسها قائدة للعالم العربي وفاعلًا مركزيًا في الشرق الأوسط، لديها عدد سكان أكبر من ذلك.
أما إسرائيل فتطمح إلى الوصول إلى كتلة سكانية حرجة تضمن بقاءها.
وقد وصلت إلى عشرة ملايين نسمة، بينهم ثمانية ملايين يهودي، ومع ذلك لا يزال كثيرون في المنطقة يحلمون بتدميرها.
وربما يؤدي وصولها إلى 20 مليون نسمة إلى جعل إسرائيل «أمرًا واقعًا»، وعندها يمكن التفكير في مكانة القوة الإقليمية.
الخلاصة
يثير فحص المكانة الإقليمية لإسرائيل شكوكًا حول الافتراض واسع الانتشار بأنها أصبحت قوة إقليمية، أو "مَعَتسَما إيزوريت".
لا شك في القوة العسكرية الإسرائيلية، التي ينبغي أن تؤهلها من حيث المبدأ لمكانة القوة الإقليمية.
لكن المشكلة، من بين أمور أخرى، هي أن هذه القوة تعتمد جزئيًا على الولايات المتحدة.
وهذا الاعتماد ـ بالنسبة إلى الطائرات المقاتلة والذخائر والقدرة التشغيلية على الاستمرار ـ يضع حدودًا على حرية العمل العسكري الإسرائيلي في معظم السيناريوهات، كما تُظهر المواجهة مع إيران.
كما أنه يحد من قدرة إسرائيل على الاستمرار، وهي متغير أساسي في تحديد ما إذا كانت الدولة تستطيع أن تكون قوة إقليمية.
وترتبط قوة إسرائيل بمصير الولايات المتحدة في الساحة الدولية وباستعداد واشنطن لمساعدتها والتعاون معها.
وفي وقت كتابة النص، لم تحقق الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هدفيها الاستراتيجيين الرئيسيين حتى الآن: حرمان إيران من القدرة على امتلاك أسلحة نووية، بما في ذلك إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وتهيئة الظروف التي تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني.
ويمكن لإسرائيل أن تفخر بأنها أضعفت قدرات نووية وصاروخية أساسية، وربما منحتها ذلك وقتًا ـ قد يصل إلى سنتين أو ثلاث ـ لمعالجة التهديدات المتجددة.
وقد يسقط النظام الإيراني في نهاية المطاف.
لكن نجاح إيران في تحمل تكاليف الحرب ضد الولايات المتحدة يعزز مكانتها، بينما يضعف مكانة إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين.
وفي ظل الحرب الأمريكية غير الناجحة ضد إيران، تراجعت فرص إسرائيل في أن تصبح قوة إقليمية أكثر.
وهناك مصدر قلق آخر يتمثل في التغيرات الديموغرافية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
وبافتراض عدم وجود بديل عن الاعتماد على الولايات المتحدة في المستقبل القريب، ينبغي لإسرائيل أن تركز جهودها الدبلوماسية على الولايات المتحدة.
العقبة الثانية: صورة إسرائيل
هناك عقبة أخرى أمام تحول إسرائيل إلى قوة إقليمية لا تكمن في قوتها العسكرية، وإنما في كيفية النظر إليها.
فمعظم سكان المنطقة لا يرون إسرائيل كيانًا سياسيًا شرعيًا متجذرًا بصورة طبيعية في الشرق الأوسط وقادرًا على الاستمرار داخله.
بل إن القوة العسكرية الإسرائيلية لا تعزز، في نظر كثيرين، الاعتراف بمكانها الطبيعي في المنطقة، وإنما تفعل العكس.
فالقوة العسكرية الإسرائيلية تهدد بعض دول المنطقة.
وهذا التهديد مفيد لإسرائيل من ناحية الردع، لكنه في الوقت نفسه يعمق المواقف العدائية تجاهها.
والطموح المعلن إلى أن تصبح إسرائيل قوة إقليمية قد يزيد الشكوك تجاهها.
ومن ثم فإن صورتها السلبية تعرقل اندماجها الناجح في المنطقة والسلام أو التعايش القائم على الاحترام المتبادل.
الحجم كعقبة بنيوية
هناك عقبة بنيوية أخرى تتمثل في أن إسرائيل دولة صغيرة ذات سكان وموارد محدودة.
ولهذا تعتمد على الولايات المتحدة.
وعبر التاريخ، واجهت الدول الصغيرة دائمًا تهديدات لوجودها.
ويُعد الحجم متغيرًا مهمًا في العلاقات الدولية، كما أن عدد سكان إسرائيل الصغير يمنح أعداءها الأكبر أملًا في إمكانية تدميرها.
لكن أكثر من سبعة عقود من الدولة اليهودية تثبت أن البقاء لا يتطلب أن تكون إسرائيل قوة إقليمية.
فأن تكون دولة قوية يكفي.
كما أن تحسن مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط منذ تأسيسها عام 1948، وشبكة العلاقات التي أقامتها مع دول المنطقة، يظهران أن الشكوك في وجودها ذاته قد تراجعت بمرور الزمن.
لكن ليس واضحًا أن هذه العملية التاريخية تسير في اتجاه واحد.
فتركيا وإيران تحاولان عكسها.
وهما دولتان كبيرتان وقويتان، وقد أصبحتا في السنوات الأخيرة تجسيدًا للقوة السياسية للإسلام الراديكالي، السني والشيعي.
النووي الإيراني
هناك اتجاه مقلق يتمثل في السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.
وهذا يهدد بقاء إسرائيل ويمنح الأمل لمن يسعون إلى القضاء عليها.
وعلى إسرائيل أن تظل ملتزمة بمنع أعدائها من امتلاك القدرة على إنتاج هذه الأسلحة.
وسواء كانت إسرائيل قوة إقليمية أم لا، فعليها التركيز على إيران وتركيا.
فكون دولتين مهمتين غير عربيتين كانتا في السابق تربطهما علاقات جيدة بالقدس قد أصبحتا معاديتين لها بشدة خلال العقود الأخيرة، يلقي بظلاله على التحسن العام في مكانة إسرائيل الإقليمية.
د. جيكل والسيد هايد
والتغيرات المطلوبة في مواقف المنطقة من إسرائيل حتى تحصل على مكانة قوة إقليمية قد تستغرق وقتًا طويلًا.
وإذا لم يكن الاندماج الكبير في المنطقة هدفًا واقعيًا على المدى القصير، وإذا كان هناك توتر بين خلق الردع من خلال التهديد العسكري والسعي إلى السلام، فمن المفيد النظر في اقتراح يحيزقيل درور باعتماد وضع معقد ومتناقض داخليًا يشبه شخصية د. جيكل والسيد هايد.
فلسنوات طويلة، انخرطت إسرائيل في عداء عسكري مستمر يجبرها في الوقت نفسه على:
* الاستعداد للحرب؛
* السعي إلى الاعتراف بوجودها باعتباره أمرًا طبيعيًا ومقبولًا؛
* وإرسال إشارات إلى دول المنطقة بأنها تريد ترتيبات سلام.
وهذا الموقف المركب مفيد أيضًا للحفاظ على التماسك الاجتماعي في إسرائيل واستعداد مواطنيها للقتال.
زيادة السكان
وبغض النظر عن طموحات إسرائيل بأن تصبح قوة إقليمية، عليها أن تبذل جهدًا كبيرًا لزيادة عدد سكانها.
وسيضمن ذلك بقاءها ويضع حدًا لآمال تدميرها.
وقد تدفع الموجة الحالية من تصاعد معاداة السامية في أنحاء العالم يهود الشتات إلى الهجرة إلى إسرائيل.
وعلى دولة إسرائيل استغلال هذه الفرصة لزيادة عدد سكانها.
لكن الدولة التي تعيش في حالة حرب دائمة ليست وجهة مشجعة للهجرة.
ولهذا، ولأسباب داخلية أيضًا، من المرغوب فيه تقليل التوترات الإقليمية حتى تتمكن إسرائيل من خفض استخدامها للقوة العسكرية.
ولا يعتمد الانتقال إلى ترتيبات سياسية تقلل الاحتكاك في المنطقة على إسرائيل وحدها بالطبع، كما يجب تجنب الترتيبات التي تنطوي على مخاطر أمنية طويلة المدى.
أما منع إيران من أن تصبح دولة نووية، فلا يمكن تحقيقه إلا باستخدام القوة العسكرية أو عبر تغيير النظام، وهي مهمة تتجاوز على الأرجح قدرات إسرائيل.
إن إسرائيل ليست قوة إقليمية محصنة من التهديد، وعليها أن تواصل التعامل مع التوتر بين محاولة تقليل العداء وبين الحاجة إلى العيش على حد السيف.
