26.57°القدس
26.37°رام الله
25.36°الخليل
30.43°غزة
26.57° القدس
رام الله26.37°
الخليل25.36°
غزة30.43°
الجمعة 04 سبتمبر 2026
4.07جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.01
محمد ياغي

محمد ياغي

لماذا يبحث العرب عن خلاف بين أمريكا وإسرائيل؟

يبحث بعض المحللين السياسيين العرب «بالميكروسكوب» عن أي شيء يُميز السياسات الأميركية عن الإسرائيلية، وعندما يعتقدون أنهم وجدوه، يَضخمونه ويحملونه الكثير من المعاني، بحيث يبدو للسامع أن ثمة اختلافاً حقيقياً بين سياستي الدولتين.

ومن أمثلة ذلك احتفاؤهم بانتقاد ترامب لطريقة إدارة نتنياهو للحرب في لبنان، على الرغم من وصفه إياه بأنه «رئيس وزراء حربي عظيم»، أو بقول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل، وإن الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد المتبقي لها.

لكن الحقيقة التي لا يُمكن إنكارها مهما قال المسؤولين الأميركيون ساطعة كالشمس هي: أميركا هي التي تزود إسرائيل بكل وسائل حرب الإبادة التي تقوم بها في فلسطين ولبنان، وهي التي تحميها سياسياً في العالم، وهي من يُبقيها متفوقة عسكرياً على جميع دول الشرق الأوسط، والأهم من كل ذلك، أن أميركا هي من تخلت عن مبدأ الأرض مقابل السلام، وهي من يمارس الضغط على العرب وتغوي بعضهم الآخر للتطبيع مع إسرائيل، وهي التي تعتبر الاستيطان الإسرائيلي شرعياً، وهي التي قدمت القدس والجولان هدية لإسرائيل، وهي من تبنى المشروع الإسرائيلي في غزة تحت مسمى خطة سلام ترامب، وهي التي ساعدت إسرائيل على إلغاء عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية، وهي من تبرر الهجمات الإسرائيلية اليومية في فلسطين ولبنان وسورية، وأخيراً، هي التي نفذت ما تريده إسرائيل بإعلان الحرب على إيران متجاهلة مصالح كل الدول العربية مُجتمعة والتي كانت ولا تزال المتضررة الكبرى من هذه الحرب.

هذا لا يعني عدم وجود خلافات بين واشنطن وتل أبيب. فقد تختلفان حول توقيت عملية عسكرية، أو طريقة إدارة الحرب، أو الكلفة التي ينبغي أن تتحملها أميركا دفاعاً عن إسرائيل. لكنها خلافات لا تمس جوهر العلاقة بينهما: حماية إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري، ومنع إخضاعها للقانون الدولي أو إرغامها على إنهاء احتلالها. والمشكلة ليست في ملاحظة هذه الخلافات، بل في تحويلها إلى دليل على وجود تعارض بين الدولتين، ثم بناء السياسات على هذا الوهم.

لذلك يبدو غريباً أن يتم البحث عما يُميز أميركا عن إسرائيل في الوقت الذي تصرخ فيه الحقائق أن جميع سياسات أميركا في الشرق الأوسط هي سياسات إسرائيلية.

لكن هذه الغرابة تختفي إذا أدركنا الأسباب التي تدفع العرب الرسميين ومن يدور في فلكهم للبحث عن تمايز بين الدولتين.

الذين قرروا أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، وجدوا ضالتهم في اتخاذ أميركا وسيطا لحل الصراع بين العرب وإسرائيل.

القول إن جميع سياسات أميركا في الشرق الأوسط هي سياسات إسرائيلية، يُلغي صفة الوسيط عن أميركا، ويترك العرب الرسميين بلا بديل لحل الصراع مع إسرائيل في فلسطين ولبنان وسورية.

لذلك فإن البحث عن تمايز بين واشنطن وتل أبيب وإيجاده وتعظيمه هو ضرورة لا غنى عنها لإبقاء أميركا وسيطا وبالتالي تجاهل طرح السؤال المحوري: ما الذي يمكن فعله لِلَجم تغول إسرائيل في الدماء الفلسطينية واللبنانية والسورية، وماذا عليهم أن يفعلوا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

القول إن سياسات أميركا في الشرق الأوسط إسرائيلية يعني أن على العرب الرسميين التخلي عن تحالفهم مع واشنطن

هنالك سبب آخر وهو أن القول إن سياسات أميركا في الشرق الأوسط إسرائيلية يعني أن على العرب الرسميين التخلي عن تحالفهم مع واشنطن، لأن التحالف معها هو في نهاية المطاف تحالف مع إسرائيل، وبالتالي لا يُمكنهم تبرير هذا الحجم الهائل من استثماراتهم في أميركا، وشراكاتهم الأمنية معها، ووجود قواعدها العسكرية في أراضيهم لأن كل ذلك يخدم في نهاية المطاف إسرائيل.

هنالك ضرورة بالتالي للتمييز بين أميركا وإسرائيل من أجل تبرير العلاقات «الحميمة» مع واشنطن.

وهنالك أيضاً طبيعة النظام العربي الرسمي نفسه. فهو نظام لا يستمد شرعيته من شعبه ولكن من رضا الغرب عنه، من «الشرعية الدولية» التي توفرها أميركا وليس من شرعية صندوق الاقتراع.

وهذا يتطلب التماهي إلى الحد الأقصى الممكن مع ما تريده أميركا للحفاظ على هذه الشرعية.

لكن هذا التماهي يصبح خطراً وجودياً لهذا النظام إذا تحول إلى تحالف مكشوف مع دولة الاحتلال، لذلك يُصبح التمييز بين أميركا وإسرائيل مسألة مهمة لهذا النظام الذي يريد أن يظهر أمام شعبه أنه يفعل أقصى ما يستطيع من أجل فلسطين ولبنان وسورية.

لذلك ما هو مطلوب هو التوقف عن البحث عن خلافات وهمية بين واشنطن وتل أبيب للادعاء بأن أميركا تصلح بأن تكون وسيطا لحل الصراع مع إسرائيل.

البداية الحقيقية تكون بالاعتراف بأن دولة جعلت أمن إسرائيل وتفوقها جزءاً ثابتاً من سياستها لن تحقق للعرب حقوقهم، وبأن لجم إسرائيل يتطلب بناء مصادر قوة عربية مستقلة، لا انتظار اللحظة التي تقرر فيها أميركا أن تكون أقل انحيازاً.

فالمشكلة ليست أن واشنطن لا تعرف ما تفعله إسرائيل، بل إنها تعرف، وتسلح، وتحمي، ثم تطلب من العرب أن يسموا ذلك وساطة، وهم يفعلون بالضبط ما يُطلب منهم.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن