24.57°القدس
24.16°رام الله
23.46°الخليل
29.01°غزة
24.57° القدس
رام الله24.16°
الخليل23.46°
غزة29.01°
الجمعة 04 سبتمبر 2026
4.07جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.01

إلى روح الشهيد الشاعر رفعت العرعير

طائرة ورقية ذلك الملاك الذي يعيد الحب

كتب/ عيسى قراقع

خيطٌ في سماء غزة يحمل طائرةً ورقيةً إلى السماء السابعة. ترتعب القبة الحديدية الإسرائيلية ومجلس السلام الأمريكي، يشتدّ القصف والقتل والملاحقة. غزة تطير من تحت الدمار بورقة يمسكها أطفال نجوا من الموت، وإسرائيل ترتجف، وتعتبرها نشاطًا مسلحًا وخطرًا وجوديًا، وتهدّد بإجلاء السكان من المناطق التي تُطلَق منها البالونات والطائرات الورقية. نتنياهو ووزير الدفاع وجدا عدوًا من ورق لتستمر الإبادة والهجمات والمجازر، وحسب القاموس العسكري الإسرائيلي، فإن لعب الأطفال يُعتبر عملًا حربيًا يتطلب الرد والاستنفار.

لا تزال غزة حيّة، ولا يزال فيها أطفال. غزة لا تزال تحلم بالحرية، طفولة تحاول أن تعيش فوق الموت، وتوصل صوتها إلى أبعد مدى. كل طائرة ورقية تحمل أسماء من فقدوا وغيّبهم النسيان، أرشيفًا للذاكرة والوجع الثقيل، وربما رسالة من الصغار إلى آبائهم وأمهاتهم وعائلاتهم الذين مُسحوا وصعدت أرواحهم إلى الجنة.

دولة نووية تلاحق طائرات ورقية، لأنها تتجاوز الحصار والخطوط الصفراء، شيء مرئي في الفضاء من شعب ظنّوا أنه دُفن تحت الركام. خيط يخرج من الأرض بورقة لها جناحان، وريح وهواء وطفل وخيال وأحلام وأصابع رشيقة. لا تحمل قنابل ولا صواريخ ولا محرّكات، وإنما زفرات أرواح وارتعاشات، وحنينًا إلى الأشجار والحمامات والأصدقاء والبيت وأناشيد المدرسة.

طائرات ورقية تصل إلى مدن وقرى ومخيمات الضفة المحتلة. لقد تغيّر الطقس في شهر آب شديد الحرارة، سقطت الأمطار، وأبرقت الرعود، وهبطت الأجرام والأسئلة. غزة تقلب الكون والحسابات، وهي تضع على كل جرح حبّة زيتون ووردة.

طائرة ورقية تصل إلى سجن النقب، تلقي رسائل على المعتقلين في الزنازين وفي حجرات التعذيب. وشاهد العالم كيف يعانق الطفل والده بعد غياب. طائرة ورقية على السياج، قرص شمس في العتمة السوداء، حبل وريد بين الصحراء والغيوم في أغاني السجناء.

الطائرة الورقية بيان سماوي ضد الهزيمة والخوف، كيمياء البعد الآخر في تضاريس الموت: قوة الشمّ والسمع واللمس والإيمان في بساتين القدس.

جيش الاحتلال الذي جرّد الأطفال من البراءة، وقتل الآلاف، واعتبرهم أهدافًا مشروعة، ولاحقهم حتى في بطون أمهاتهم، يجد في ألعابهم وحركاتهم ولهفاتهم تحديًا أمنيًا وذريعة لاستمرار الحرب وسفك الدماء، معتبرًا الطائرة الورقية رمزًا للصعود والحرية، وتحديًا لقوانين الأقوياء والقنابل الذكية.

الطائرة الورقية ليست صمّاء، يقول جنرالات الحرب في إسرائيل، إنها شيفرة وإشارات، وحكايات وسرديات وصلوات ونبوءات، وأشباح موتى وأجساد يحملها الرفات. بعضهم قال: إنها تمائم تحارب الشر والبشاعة، وتطلق في الطبيعة قوة الخصب والجمال وإرادة البقاء.

يقول الشاعر أدونيس: الطائرة الورقية قصيدة محمولة بريح الإلهام، موجّهة بيد طفل يؤمن بالمستحيل. ها هي فوق الحدود، فوق الجدار، لها عقل ولغة، تتحرر من الصمت والقيود.

طائرة ورقية ودولة حديدية خائفة. طائرة في ذيلها أرواح، كأنها شحنات كهربائية، تحمي الناس من الزوابع والنيران والصواعق بعد غياب الحماية الدولية. لها أصوات سمعها سكان تل أبيب والمستوطنون في المستعمرات. ما هذا المستحيل بعد كل هذا الخراب؟ يتساءل طيار إسرائيلي وهو يطارد طائرة ورقية عليها علم فلسطين، وتشبه القمر وهو يحرّك المد والجزر في البحار والمحيطات، شاهدةً على الوحل والجريمة في رؤوس أباطرة الغرب وقِيعانهم الموحشة العميقة.

الشاعر الشهيد رفعت العرعير، الذي قُتل في حرب الإبادة على غزة عام 2023، صاحب قصيدة «إذا كان لا بد أن أموت»، اشترى قطعة قماش وخيوطًا بيضاء لصنع طائرة ورقية بذيل طويل، وكتب:

«كي يبصر طفل في مكان ما من غزة، وهو يحدّق في السماء منتظرًا أباه الذي رحل فجأة، يبصر الطائرة الورقية، طائرتي التي صنعتها أنت، تحلّق في الأعالي، ويظنّ في لحظة أن هناك ملاكًا يعيد الحب».

المصدر: فلسطين الآن