لم يعد النقاش حول حصر سلاح حماس ومستقبل قطاع غزة مجرد مسألة أمنية تتعلق بوقف الحرب أو ترتيبات ما يسمى باليوم التالي. فمع تطور الاتصالات والمفاوضات، يبرز هنا سؤال أكبر يتعلق بما إذا كان سيجري التفاوض على سلاح حماس فقط، أم أن هذا الملف أصبح مدخلاً لتحولات في رؤية حماس، ولفرض ترتيبات خاصة بغزة من خلال اللجنة الإدارية وتبعيتها لمجلس السلام، وبتغييب دور منظمة التحرير، لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وفق فصل الضفة عن غزة وربطه بالترتيبات الإقليمية الجديدة؟
من هنا تكتسب المؤشرات المتعلقة برغبة الولايات المتحدة منذ فترة في فتح قنوات اتصال، مباشرة أو غير مباشرة، مع حماس دلالة تتجاوز مضمون أي لقاء سابق أو قادم. فواشنطن لا تسعى بالضرورة إلى الاعتراف بمشروع حماس، لكنها قد ترى في استمرار التواصل معها، خاصة بعد موافقتها على ورقة البنود الـ15، ورقة لإدارة المرحلة المقبلة والضغط في اتجاهين: الأول على حماس للقبول بترتيبات أمنية وسياسية جديدة والقبول بتحولات، والثاني اللعب بورقة حماس للضغط على منظمة التحرير للقبول بالشروط السياسية للمشروع الإقليمي الجاري تشكيله.
وهنا تكمن المسألة الأخطر، فالمشكلة ليست في الحوار مع حماس، ولا في انتقالها إلى المشاركة السياسية إذا جاء ذلك ضمن رؤية جديدة لحماس ومراجعة فلسطينية وطنية شاملة. بل إن إدماج حماس والجهاد الإسلامي وسائر القوى في منظمة التحرير، بعد إقرارهم بمكانة المنظمة الدولية وممثلها الشرعي والوحيد لشعبنا، مع ضرورة إعادة بنائها على أسس ديمقراطية انتخابية وتمثيلية وبرنامج وطني مشترك، قد يشكل أحد متطلبات إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد الانتخابات القادمة المستحقة التي قد تشارك بها حماس دون فيتو أمريكي.
لكن الفارق كبير بين أن يتم ذلك بإرادة وطنية فلسطينية، وبين أن يجري ضمن هندسة أمريكية وإقليمية تحدد مسبقاً شروط المشاركة ووظيفة المؤسسات وحدود البرنامج السياسي الفلسطيني.
لذلك، قد يكون من الخطأ اختزال المسألة اليوم فيما إذا كانت ستسلم حماس سلاحها؟
فالسلاح قد يصبح بوابة إلى ملفات أوسع تتمثل في: من يحكم غزة؟ وما طبيعة أجهزتها الأمنية؟ وما علاقتها بالضفة؟ وما مستقبل السلطة؟ وكيف يعاد تشكيل منظمة التحرير؟ ومن يحدد البرنامج السياسي للنظام الفلسطيني المقبل؟
وإذا تحولت حماس من قوة حكم عسكرية كسلطة أمر واقع في غزة إلى فاعل سياسي ضمن صيغة جديدة، فإن السؤال الأهم سيكون: ضمن أي إطار سياسي، ومن يضع شروطه؟
ومن هذه الزاوية يمكن أيضاً فهم الاهتمام الأمريكي المحتمل بالحوار معها في إطار اهتمام الولايات المتحدة بالعلاقة مع حركة الإخوان المسلمين منذ عقود. فوجود قناة مع حماس يمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية تجاه منظمة التحرير، دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى استبدال المنظمة بحركة حماس. فقد يكون المطلوب الإبقاء على منظمة التحرير، ولكن بعد ممارسة الضغوط الهادفة لإعادة تعريف المشروع الوطني ولدورها ووظيفتها بما ينسجم مع الترتيبات السياسية والأمنية والإقليمية الجديدة.
وهنا يصبح الخطر أعمق من مجرد تغيير في موازين القوى بين فتح وحماس، إذ سيتعلق بإمكانية الانتقال من منظمة تحمل، رغم كل أزماتها، صفة تمثيلية وشرعية كحركة تحرر وطني وممثل للشعب الفلسطيني، إلى إطار تتركز وظيفته في إدارة الفلسطينيين داخل نظام إقليمي تحدد قواعده قوى أخرى.
كما ينبغي عدم المبالغة في اعتبار الاختلافات بين إسرائيل وبعض الدول العربية والإقليمية حول مستقبل حماس دليلاً على وجود مشروع إقليمي بديل متكامل في مواجهة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي. فهناك تناقضات حقيقية في المصالح والحسابات، لكن الخلاف قد يكون حول شكل النظام الإقليمي الجديد وموقع كل دولة فيه وأدوات الوصول إليه، وليس بالضرورة حول جوهره.
والأخطر أن تتحول غزة، بعد كل ما تعرضت له من كوارث إنسانية وإبادة جماعية، إلى مختبر سياسي تُصنع فيه صيغة جديدة للنظام الفلسطيني برعاية أمريكية، ثم يجري تعميمها على الضفة الغربية. فغزة ليست كياناً منفصلاً يحتاج إلى نظام سياسي خاص، بل جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة ومن وحدة الشعب والقضية.
إن إعادة بناء النظام الفلسطيني أصبحت ضرورة وطنية ملحة، لكن يجب أن تبدأ فلسطينياً بحوار وطني شامل، وإعادة بناء منظمة التحرير وإدماج مختلف القوى فيها، إضافة إلى إعادة تحديد العلاقة بين المنظمة والسلطة من جهة، والسلطة والاحتلال من جهة أخرى، والاتفاق على برنامج وطني للمرحلة، والاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات شاملة تشريعية ورئاسية وفق ما هو مقرر في نوفمبر القادم.
فالمشكلة ليست في أن تتحدث واشنطن مع حماس، بل في أن يصبح هذا الحوار، إلى جانب ملف السلاح وإعادة إعمار غزة، مدخلاً لإعادة تعريف من يمثل الفلسطينيين، وعلى أي برنامج وتحت أي شروط.
إن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ضرورة وطنية بعيداً عن أي تدخلات إقليمية أو إملاءات دولية، رغم أننا نعيش ضمن هذا النظام الدولي، لكن الفارق جوهري بين أن يعيد الفلسطينيون بناءه لاستعادة مشروعهم الوطني التحرري، وبين أن يعاد بناؤه من الخارج كي يتلاءم مع مشروع إقليمي جديد.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال من سيحكم غزة أو ماذا سيحدث لسلاح حماس هو: من يملك حق رسم مستقبل النظام السياسي الفلسطيني؟ والإجابة هنا يجب أن تبقى فلسطينية خالصة.
ولذلك، فلا يمكن فصل ما تشهده المنطقة من اتفاقيات وتحالفات وإعادة تموضع للقوى، في سياق البحث عن نظام إقليمي جديد تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والنفوذ والمصالح الاقتصادية. والخشية أن يجري ترتيب الملف الفلسطيني ليتلاءم مع هذا النظام الإقليمي، بدلاً من أن تكون فلسطين طرفاً فاعلاً في تحديد موقعها داخله.
ومن هنا تصبح استعادة الوحدة في إطار المنظمة كجبهة وطنية عريضة، ليتم الارتقاء بدورها المفترض وترتيب البيت الداخلي وتحديد برنامج وطني جامع، بعد مراجعة موضوعية للفترة الماضية، في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني المتصاعد، والذي أشارت إليه صحيفة هآرتس قبل أيام بالخرائط، بحيث تصبح مناطق "أ" هي فقط المناطق الفلسطينية في أي مشروع سياسي قادم، ضرورة تتجاوز الإصلاح الداخلي من أجل مواجهة التحديات المفصلية التي يفرضها توسع المشروع الاستيطاني وإرهابه.
فهي شرط لكي ندخل نحن الفلسطينيين كطرف في التحولات الجارية، أصحاب قرار ومصلحة وطنية ومتحدون، لا أن نبقى موضوعاً لترتيبات يصوغها الآخرون نيابة عنا.
