28.34°القدس
28.1°رام الله
27.06°الخليل
31.55°غزة
28.34° القدس
رام الله28.1°
الخليل27.06°
غزة31.55°
السبت 05 سبتمبر 2026
4.07جنيه إسترليني
4.25دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3.01دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.25
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3.01
خالد فحل

خالد فحل

التعليم الفلسطيني في مهبّ الأزمات

مع بداية كل عام دراسي، يدخل الشارع الفلسطيني في حالة من الاضطراب. بدل أن يكون افتتاح المدارس موعدًا ينتظره الطلبة والأهالي، تبدأ الأسئلة والبيانات ودعوات عدم افتتاح العام الدراسي، وسط خلافات متكررة حول رواتب المعلمين وحقوقهم وظروفهم المعيشية.

وهكذا لم يعد القلق مرتبطًا بما سيتعلمه الطالب في عامه الجديد، بل أصبح السؤال الأول: هل سيبدأ العام أصلًا؟

هذه ليست أزمة عابرة. فمنذ جائحة كورونا، والتعليم الفلسطيني يتلقى ضربة تلو الأخرى. تعطّل التعليم الوجاهي، ثم جاءت الأزمة الاقتصادية لتضغط على المدرسة والمعلم والأسرة، وتبع ذلك الإضرابات وتعطل أيام دراسية، وصولًا في بعض المراحل إلى تقليص الدوام المدرسي إلى ثلاثة أيام في الأسبوع.

المشكلة أن هذه الخسائر لا تحدث في فراغ. فالمنهاج مستمر، والامتحانات مستمرة، والطالب ينتقل من صف إلى آخر، وكأن الزمن التعليمي لم يتعرض لأي خلل.

لكن الزمن التعليمي لا يمكن تعويضه بمجرد إنهاء صفحات الكتاب.

الطالب الذي يفقد أسابيع من الدراسة لا يفقد دروسًا متفرقة فقط؛ بل يفقد جزءًا من التراكم الذي تُبنى عليه مهارات القراءة والكتابة والحساب والفهم. وما يبدو فجوة صغيرة في الصفوف الأولى قد يتحول بعد سنوات إلى ضعف كبير يصعب علاجه.

وفي الجانب الآخر من الصورة، هناك معلم يعيش أزمة حقيقية. من الصعب أن نطالب المعلم بأداء كامل بينما يعاني من عدم الاستقرار المالي أو يشعر بأن حقوقه مؤجلة إلى أجل غير معلوم. حق المعلم في راتب عادل ومنتظم وحياة كريمة ليس ترفًا، بل شرط أساسي لاستقرار العملية التعليمية.

لكن حق المعلم لا يلغي حق الطالب.

وهنا يجب أن تكون الموازنة واضحة: لا يمكن بناء تعليم مستقر بمعلم غير مستقر، كما لا يمكن الدفاع عن حقوق المعلمين على حساب مستقبل الطلبة.

والمسؤولية في هذه الحالة لا تقع على طرف واحد. فالحكومة مسؤولة عن توفير الاستقرار المالي للقطاع التعليمي، والوزارة مسؤولة عن حماية انتظام الدراسة ووضع خطة حقيقية لمعالجة الفاقد التعليمي، والاتحاد مسؤول عن الدفاع عن حقوق المعلمين، مع إدراك أن تعطيل التعليم يترك أثرًا مباشرًا على الطلبة. أما الأسرة والمجتمع، فهما أيضًا شريكان في حماية حق الطفل في التعليم.

لكن المسؤولية الأكبر تبدأ من القرار السياسي: على الحكومة أن تضع التعليم في مقدمة أولوياتها الوطنية.

فالتعليم ليس بندًا يمكن تأجيله عندما تضيق الموازنة، ولا خدمة يمكن تقليصها ثم انتظار عودتها إلى طبيعتها تلقائيًا. إنه استثمار مباشر في مستقبل المجتمع وقدرته على الصمود.

وضع التعليم في المقدمة يعني ضمان انتظام العام الدراسي، وتأمين استقرار المعلم، وتوفير الموارد اللازمة للمدارس، والتعامل مع الفاقد التعليمي باعتباره ملفًا وطنيًا عاجلًا يحتاج إلى خطة وتمويل ومتابعة. فما ننفقه اليوم على إنقاذ التعليم أقل بكثير مما سندفعه غدًا لمعالجة نتائج تراجعه.

والأزمة الاقتصادية لا تقف عند حدود راتب المعلم. إنها تصل إلى البيوت. هناك أسر تجد صعوبة في توفير أبسط احتياجات المدرسة، من الملابس والحقيبة إلى الدفاتر والقرطاسية. وقد يصبح ذهاب الطفل إلى المدرسة نفسه عبئًا ماليًا على أسرة تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وهنا تصبح المدرسة أمام تحديين في وقت واحد: معلم يبحث عن الاستقرار، وطالب قد لا تملك أسرته حتى كلفة مستلزمات دراسته.

في ظل هذه الظروف، لا يكفي أن نختلف حول موعد بدء العام الدراسي أو عدد أيام الدوام. السؤال الأهم هو: ماذا خسر هذا الجيل من تعليمه، وكيف سنستعيده؟

لأن أخطر ما يمكن فعله هو التعامل مع الفاقد التعليمي باعتباره مشكلة مؤقتة ستختفي بمجرد عودة المدارس إلى دوامها الطبيعي.

لن تختفي.

قد تعود الحصص، وقد ينتهي الإضراب، وقد تتحسن الظروف المالية، لكن ما فاته الطالب في مرحلة عمرية معينة لن يعود إليه تلقائيًا. ولهذا فإن إعادة فتح أبواب المدارس ليست نهاية الأزمة، بل بداية معركة أخرى: معركة استعادة ما فقده الطلبة.

نحن بحاجة إلى خطة وطنية واضحة تبدأ بقياس حجم الفاقد التعليمي، وتحديد المهارات التي تراجعت لدى الطلبة، ثم وضع برامج تعويضية حقيقية، خصوصًا في القراءة والكتابة والرياضيات والفهم. أما الاستمرار في تدريس المنهاج بالسرعة نفسها وكأن السنوات الماضية لم تحدث، فلن يؤدي إلا إلى ترحيل المشكلة من صف إلى آخر.

كما نحتاج إلى مقاربة مختلفة لعلاقة الدولة بالمعلم. فالاستثمار في التعليم يبدأ من المعلم، وحماية المعلم اقتصاديًا ومهنيًا ليست خدمة له وحده، بل حماية للمدرسة وللطالب وللمجتمع بأكمله.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول كل خلاف مالي إلى تهديد ببداية عام دراسي جديد. لأن الطالب ليس طرفًا في الخلاف، وليس من العدل أن يكون هو المساحة التي تُدفع عليها كلفة الأزمة.

لقد آن الأوان للخروج من منطق: الحكومة في جهة، والاتحاد في جهة، والوزارة في المنتصف، والطالب ينتظر.

الملف أكبر من ذلك.

التعليم قضية وطنية، وأي خلل طويل فيه لا ينتج فقط طالبًا متأخرًا في مادة دراسية، بل قد ينتج جيلًا أقل قدرة على المنافسة والعمل والتفكير وصناعة المستقبل.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من المسؤول عن يوم دراسي ضاع، ولا من انتصر في الإضراب.

السؤال: من المسؤول عن السنوات التي تضيع؟

لأن الطالب يستطيع أن يعوّض درسًا، وربما فصلًا دراسيًا، لكن ماذا يحدث عندما يصبح الفاقد سنوات متراكمة؟

عندها لن تكون المشكلة أن جيلًا تأخر عن المنهاج.

المشكلة أن جيلًا كاملًا قد يصل إلى المستقبل بشهادات تثبت أنه انتقل من صف إلى آخر، بينما لم يحصل على حقه الكامل في أن يتعلم.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن