تناولت ورقة بحثية ما تصفه بتسارع مخططات الاحتلال الإسرائيلي لفرض واقع الضم والتهويد في الضفة الغربية، عبر سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية والميدانية التي تستهدف الأرض والإنسان والمؤسسات الفلسطينية، وسط ما تعتبره الورقة غياباً لمواجهة عربية ودولية وفلسطينية عملية لهذه السياسات.
وترى الورقة للكاتب عليان عليان، أن حكومة الاحتلال اليمينية تعمل وفق رؤية تعتبر الضفة الغربية جزءاً من «أرض إسرائيل»، وتسعى إلى تحويل هذه الرؤية الأيديولوجية إلى واقع سياسي وقانوني.
وتستند في ذلك إلى ثلاثة مسارات رئيسية، أولها مصادقة الكنيست الإسرائيلي في يوليو/تموز الماضي على مقترح يدعو إلى فرض «السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية، بما فيها غور الأردن، وهي خطوة تعتبرها الورقة محطة متقدمة على طريق الضم وإجهاض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في قرارات اتخذها المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي خلال فبراير/شباط 2026، وشملت تغييرات واسعة في منظومة الملكية والتخطيط والإدارة المدنية في الضفة الغربية. ومن أبرز هذه الإجراءات إتاحة سجلات الأراضي وتسهيل عمليات نقل الملكية، وإلغاء قيود قانونية كانت تحد من بيع العقارات للمستوطنين، إضافة إلى إعادة تفعيل لجان شراء الأراضي.
وبحسب الورقة، فإن هذه الإجراءات تفتح المجال أمام توسيع السيطرة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية، وتحويل سوق العقارات في الضفة إلى أداة من أدوات المشروع الاستيطاني. كما شملت القرارات نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في مناطق من الخليل إلى مؤسسات تابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية، إلى جانب توسيع التدخل الإسرائيلي في ملفات المياه والآثار والبيئة حتى داخل المناطق المصنفة «أ» و«ب»، التي يفترض أن تخضع مدنياً لإدارة السلطة الفلسطينية.
أما المسار الثالث، فيتعلق بتوجيهات إسرائيلية لإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية. وترى الورقة أن هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً، لأنها تنقل التعامل مع المستوطنين من إطار الإدارة العسكرية إلى إطار مدني يخضع للقوانين الإسرائيلية، بما يعزز الضم الفعلي ويكرس وجود نظامين قانونيين في الجغرافيا ذاتها: نظام مدني للمستوطنين ونظام عسكري للفلسطينيين.
وتؤكد الورقة أن المستوطنين يشكلون أداة مركزية في تنفيذ سياسة الضم على الأرض، من خلال الاعتداءات المتكررة على القرى والتجمعات الفلسطينية، ومهاجمة السكان وإحراق الممتلكات وسرقة المواشي ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. وتشير إلى أن هذه الاعتداءات غالباً ما تتبعها إقامة بؤر استيطانية جديدة، بما يؤدي تدريجياً إلى فرض السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
وتورد الورقة معطيات عن تصاعد اعتداءات المستوطنين، مشيرة إلى مقتل 25 فلسطينياً على أيدي المستوطنين منذ مطلع عام 2026 وحتى 25 أغسطس/آب، وفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. كما تشير إلى تنفيذ أكثر من ثلاثة آلاف اعتداء خلال النصف الأول من العام، أسفرت عن تهجير تجمعات فلسطينية وإقامة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة.
وفي سياق التوسع الاستيطاني، تشير الورقة إلى أن الاحتلال يواصل الاستيلاء على آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية وإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، فيما بلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية نحو 592 تجمعاً حتى منتصف عام 2026، وفق المعطيات التي استندت إليها الدراسة.
كما تتوقف الورقة عند مخطط البناء الاستيطاني في منطقة «E1» شرق القدس، والذي تعتبره من أخطر المشاريع الاستيطانية، نظراً لما يمكن أن يؤدي إليه من فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية، وتقويض التواصل الجغرافي الضروري لإقامة دولة فلسطينية.
وتخصص الورقة مساحة لاستهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، معتبرة أن الإجراءات الإسرائيلية ضد الوكالة تشكل جزءاً من محاولة استهداف قضية اللاجئين وحق العودة. وتربط بين ذلك وبين العمليات العسكرية التي استهدفت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وأدت إلى نزوح آلاف الفلسطينيين، إلى جانب إجراءات أخرى استهدفت مؤسسات تعليمية وخدمية تابعة للوكالة.
وتخلص الورقة إلى أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل عملية ضم تدريجية تتجاوز الاستيطان التقليدي، لتشمل إعادة تشكيل النظام القانوني والإداري والجغرافي للضفة. وترى أن هذه الإجراءات قد تدفع نحو اندلاع مواجهة شعبية أوسع، لكنها تؤكد أن أي تحرك من هذا النوع يحتاج إلى قيادة وطنية قادرة على تنظيمه وتأطيره.
وفي المقابل، تنتقد الورقة الاكتفاء بالبيانات السياسية والتنديدات العربية والدولية، معتبرة أن غياب إجراءات عملية وملموسة يمنح الاحتلال مساحة أوسع للاستمرار في تنفيذ مشاريعه. وتخلص إلى أن الضفة الغربية تواجه مرحلة مفصلية، تتداخل فيها سياسات الاستيطان والتهجير ومصادرة الأراضي وتغيير النظام القانوني، في محاولة لفرض واقع جديد يجعل من الضم أمراً قائماً على الأرض قبل الإعلان عنه رسمياً.
