30.57°القدس
30.33°رام الله
29.36°الخليل
28.45°غزة
30.57° القدس
رام الله30.33°
الخليل29.36°
غزة28.45°
الأربعاء 16 سبتمبر 2026
4.12جنيه إسترليني
4.31دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.53يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.12
دينار أردني4.31
جنيه مصري0.06
يورو3.53
دولار أمريكي3.05
منصف عبد الرحمن

منصف عبد الرحمن

حين يصبح المستحيل ممكناً: من بريتوريا إلى القدس.. المرآة التي لا تريد إسرائيل النظر إليها

من يقرأ التاريخ جيداً يدرك أن الأنظمة التي تقوم على الامتياز العرقي قد تؤجل سقوطها، لكنها لا تستطيع إلغاء موعده. هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها الواقع أقوى من كل الأساطير التي بُنيت حوله، لحظات تكتشف فيها الدول والأنظمة أن ما اعتقدته قدراً أبدياً لم يكن سوى مرحلة مؤقتة، وأن القوة مهما عظمت لا تستطيع أن تمنح الشرعية، ولا أن توقف حركة التاريخ.

قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يبدو عصياً على الانهيار. كانت الأقلية البيضاء تسيطر على الدولة ومؤسساتها واقتصادها وجيشها، وتحظى بدعم قوى دولية نافذة، وتمتلك برنامجاً نووياً وضعها في مصاف الدول القليلة التي امتلكت هذا السلاح. ومع ذلك، لم يمنعها كل ذلك من السقوط.

لم يسقط النظام لأنه خسر حرباً عسكرية، بل لأنه خسر معركة التاريخ. لقد وصل إلى اللحظة التي لم يعد فيها قادراً على تبرير وجوده أمام شعبه وأمام العالم. وعندما حانت ساعة التحول، عاد الحكم إلى الأغلبية من أبناء البلاد الأصليين، وغادر آلاف البيض إلى وجهات أخرى، وتم تفكيك الترسانة النووية التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة البقاء.

بينما تتواصل المأساة الفلسطينية وتتعمق أزمات المنطقة، تفرض المقارنة نفسها، سواء أعجبت البعض أم أغضبته؛ ليس لأن فلسطين نسخة مطابقة لجنوب أفريقيا، فلكل تجربة سياقها الخاص، وإنما لأن جوهر الصراع في الحالتين يثير السؤال ذاته

اليوم، وبينما تتواصل المأساة الفلسطينية وتتعمق أزمات المنطقة، تفرض المقارنة نفسها، سواء أعجبت البعض أم أغضبته؛ ليس لأن فلسطين نسخة مطابقة لجنوب أفريقيا، فلكل تجربة سياقها الخاص، وإنما لأن جوهر الصراع في الحالتين يثير السؤال ذاته: هل تستطيع منظومة قائمة على الامتياز القومي أو العرقي أن تستمر إلى الأبد؟

تتعامل إسرائيل مع نفسها بوصفها استثناءً تاريخياً، فالتفوق العسكري الكاسح، والتفوق التكنولوجي، والدعم الغربي غير المسبوق، كلها عناصر تدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الدولة العبرية تقف خارج قوانين التاريخ التي أسقطت أنظمة ومشاريع بدت في أزمانها أكثر رسوخاً مما تبدو عليه إسرائيل اليوم. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ تقول شيئاً مختلفاً.

فالمشاريع الاستيطانية لا تواجه أزمتها الحقيقية عندما تضعف عسكرياً، بل عندما تكتشف أنها فشلت في تحقيق هدفها السياسي والأخلاقي. وهذا تحديداً ما يفرض نفسه في الحالة الفلسطينية. فبعد عقود طويلة من الاحتلال والاستيطان والحروب والتهجير، ما زال الفلسطيني حاضراً على أرضه، وما زالت هويته الوطنية أكثر حضوراً من أي وقت مضى، وما زالت الرواية الفلسطينية عصية على الشطب أو الإلغاء.

لقد نجحت إسرائيل في بناء واحدة من أقوى المنظومات العسكرية في العالم، لكنها لم تنجح في إنهاء القضية التي قامت أصلاً لمعالجتها من منظورها الخاص. وما دام الشعب الفلسطيني موجوداً ومتمسكاً بأرضه وهويته، فإن السؤال سيبقى قائماً، مهما تغيرت موازين القوة ومهما تبدلت الحكومات.

من هنا، لم يعد مستغرباً أن يطرح بعض الباحثين والمراقبين سيناريو كان يُعد قبل سنوات ضرباً من الخيال السياسي: أن تصل إسرائيل في مرحلة ما إلى لحظة مراجعة تاريخية عميقة، تشبه من حيث المبدأ تلك التي عرفتها جنوب أفريقيا، حيث يصبح استمرار النظام القائم أكثر كلفة من تغييره، وتفرض الحقائق الديموغرافية والسياسية والأخلاقية واقعاً جديداً على الجميع.

لا أحد يملك القدرة على التنبؤ بمسار التاريخ أو توقيت تحولاته الكبرى، لكن المؤكد أن التاريخ لا يقدم حصانة دائمة لأحد. فالأنظمة التي تبدو اليوم راسخة قد تصبح غداً مجرد موضوع للدراسة في كتب التاريخ، والمشاريع التي تتصرف باعتبارها حقائق نهائية قد تكتشف أنها كانت مجرد مرحلة عابرة

في مثل هذا السيناريو، قد لا يكون السؤال عن شكل الدولة فقط، بل عن طبيعة المجتمع الذي نشأ حولها. وقد يجد عدد كبير من اليهود الذين قدموا من أنحاء العالم أنفسهم أمام خيارات مختلفة، تماماً كما حدث مع قطاعات من البيض في جنوب أفريقيا بعد انتهاء حقبة الفصل العنصري. كما قد تبرز ترتيبات أمنية جديدة تعيد فتح ملفات ظلت مغلقة لعقود، بما في ذلك ملف القدرات النووية التي بقيت إحدى أكثر القضايا حساسية وغموضاً في الشرق الأوسط.

لا أحد يملك القدرة على التنبؤ بمسار التاريخ أو توقيت تحولاته الكبرى، لكن المؤكد أن التاريخ لا يقدم حصانة دائمة لأحد. فالأنظمة التي تبدو اليوم راسخة قد تصبح غداً مجرد موضوع للدراسة في كتب التاريخ، والمشاريع التي تتصرف باعتبارها حقائق نهائية قد تكتشف أنها كانت مجرد مرحلة عابرة.

لقد اعتقد قادة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أن دولتهم باقية لأنهم امتلكوا القوة، واكتشفوا متأخرين أن القوة تستطيع تأجيل التغيير، لكنها لا تستطيع منعه.

وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تحملها التجربة الجنوب أفريقية إلى كل من يريد أن يقرأ التاريخ بعين مفتوحة: إن الشعوب قد تُهزم في معارك، وقد تخسر جولات طويلة ومؤلمة، لكنها لا تختفي. أما الأنظمة التي تبني وجودها على حرمان شعب آخر من حقوقه، فإنها قد تطيل عمرها بالقوة، لكنها تظل عاجزة عن الهروب من سؤال الشرعية.

وربما يأتي يوم ينظر فيه المؤرخون إلى ما يجري في فلسطين اليوم بالطريقة نفسها التي ينظرون بها إلى جنوب أفريقيا الأمس؛ لا بوصفه صراعاً أبدياً، بل باعتباره مرحلة تاريخية انتهت في النهاية كما انتهت تجارب كثيرة قبلها: ببقاء أصحاب الأرض، ورحيل الوهم الذي اعتقد أنه أقوى من التاريخ.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن