تُشكّل الطلقات الطائشة ونيران الآليات العسكرية الصهيونية خطراً متواصلاً ومحدقاً بحياة المواطنين وخيام النازحين في مناطق مختلفة من قطاع غزة المكلوم، ففي ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية، لم تعد هناك مساحة آمنة واحدة داخل القطاع؛ إذ تلاحق الموتَ أجسادُ الأبرياء وهم يمشون في الشوارع بحثاً عن شربة ماء، أو وهم نائمون داخل خيامهم القماشية البالية التي ظنوها ملاذاً يحميهم من قسوة النزوح وغدر الطائرات، ليرتقي ويصاب العشرات منهم برصاص غادر يخترق الأجساد بلا سابق إنذار.
وتعمد قوات الاحتلال المتمركزة عند خطوط التماس ومحاور التوغل إلى إطلاق نيران رشاشاتها الثقيلة وقذائف آلياتها بشكل عشوائي وكثيف باتجاه التجمعات السكنية ومخيمات اللجوء المؤقتة، هذا السلوك الإجرامي الممنهج لا يستهدف مقاتلين أو أهدافاً عسكرية، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى بث الرعب والترويع في نفوس المدنيين العزل، وجعل فكرة الاستقرار أو الأمان ضرباً من الخيال، حيث تتحول ذرات الرصاص المتطايرة إلى قضاء مستعجل يتربص بالصغار والكبار في غفلة من أمرهم.
إن المشهد داخل المخيمات والخيام بات مأساوياً لدرجة تفوق الاحتمال؛ فالخيمة المصنوعة من النايلون والقماش المهترئ لا تقي حراً ولا برداً، وبالتأكيد لا تملك القدرة على صد رصاصة قناص أو طلقة طائشة عابرة للمحافظات.
ويتحدث المواطنون بحرقة عن رعب الليل الذي يعيشونه، حيث ينام الأطفال على وسائد الخوف، يترقبون اللحظة التي قد تخترق فيها رصاصة ثقيلة سقف خيمتهم لتخطف حلم أحدهم، وتحيل ليلهم الهادئ إلى مأتم وصراخ يتردد صداه بين جنبات المخيمات المنكوبة.
وأمام هذا التغول المستمر والانتهاك الصارخ لكافة المواثيق الإنسانية الدولية، ترصد التقارير الميدانية تصاعداً لافتاً في أعداد الشهداء نتيجة هذه الظاهرة الخطيرة.
وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على تفاصيل هذه المعاناة الإنسانية من خلال شهادات حية ومقابلات حصرية مع مواطنين نازحين وقاطنين يعيشون يومياً تحت مقصلة النيران الطائشة وقذائف الآليات الصهيونية التي لا ترحم ضعفهم.
الموت شريك لنا في الخيمة..
ويوضح المواطن أبو إسماعيل، وهو نازح من مدينة غزة ويعيش برفقة عائلته في خيمة مهترئة بالقرب من شارع صلاح الدين بمخيم البريج، أن الموت بات شريكاً لهم في الخيمة يتقاسم معهم تفاصيل يومهم، مشيراً إلى أن المنطقة القريبة من شارع صلاح الدين تعتبر خطيرة للغاية ومكشوفة لنيران آليات الاحتلال المتمركزة شرقي المخيم، حيث لا يمر يوم دون أن تخترق الرصاصات الطائشة سماء المخيم وتتساقط فوق رؤوس النازحين كالمطر الحارق دون أي مبرر.
ويضيف أبو إسماعيل في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن عائلته عاشت لحظات من الرعب الحقيقي قبل أيام قليلة، عندما اخترقت طلقة ثقيلة من عيار "50" قماش الخيمة أثناء نوم أطفاله، لتستقر في الأرض على بعد سنتيمترات قليلة من رأس ابنه الصغير، واصفاً تلك اللحظة بأنها كانت كابوساً مرعباً، حيث استيقظ الجميع على صوت الانفجار والغبار المتطاير، ليدركوا أن العناية الإلهية وحدها هي من أنقذت طفلهم من موت محقق في مكان يُفترض أنه ملاذ آمن للنازحين الفارين من الموت.
ويبين الوالد المكلوم أن الإجراءات اليومية داخل المخيم باتت محكومة بالخوف والحذر الشديدين، حيث يمنع أطفاله من اللعب في المساحات المفتوحة أو الخروج بعد مغيب الشمس نظراً لكثافة النيران العشوائية التي يطلقها الاحتلال، مؤكداً أن الخيام بطبيعتها الهشة لا توفر أي نوع من الحماية أو التحصين ضد الرصاص أو الشظايا المتطايرة، مما يجعل البقاء داخلها أشبه بالجلوس فوق قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وتتحول إلى أشلاء ودماء.
ويخلص أبو إسماعيل في ختام حديثه إلى أن الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم اليومية يشجع الاحتلال على الاستمرار في سياسة القتل بدم بارد واستسهال ضغط الزناد ضد المدنيين، موجهاً صرخة عتب حارة إلى المنظمات الإنسانية والحقوقية حول العالم لالتفات إلى معاناة النازحين في الخيام الذين يواجهون الموت العشوائي بلا دروع وبلا مأوى حقيقي، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني سيظل صامداً فوق أرضه مهما بلغت تضحياته ومهما اشتدت كوابيس الحصار والنيران.
مواجهة يومية مع الموت المتربص..
بدوره أكد المواطن أبو العبد أبو سعيد، الذي يصر على البقاء والعيش في منزله المتصدع الواقع في المنطقة الشرقية لمخيم المغازي، أن السكن في هذه المناطق الحدودية بات يمثل مواجهة يومية ومباشرة مع الموت المتربص، موضحاً أن آليات الاحتلال والجرارات العسكرية المتمركزة خلف الساتر الترابي لا تتوقف عن إطلاق النار العشوائي والقذائف التحذيرية باتجاه المنازل، مما جعل واجهات البيوت الغربية والشرقية مليئة بالثقوب والندوب التي تشهد على همجية المحتل.
وبيّن أبو العبد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن خطر النيران الطائشة لا يقتصر على أوقات التصعيد العسكري، بل يتحول إلى سلوك اعتيادي لجنود الاحتلال الذين يطلقون الرصاص بهدف التسلية أو فرض حظر تجوال غير معلن على المزارعين والسكان، مضيفاً بحسرة أن الحركة داخل المنزل نفسه باتت تتطلب حذراً شديداً، حيث تضطر العائلة للنوم في الممرات الداخلية والغرف الأرضية البعيدة عن النوافذ لتقليل احتمالية الإصابة بالرصاص الذي يخترق الجدران الإسمنتية الضعيفة.
ويشير القاطن شرق المغازي إلى سقوط عدة شهداء وجرحى من جيرانه وأقارب طوال الأشهر الماضية، لم يرتكبوا أي ذنب سوى أنهم تحركوا في فناء منازلهم أو حاولوا تفقد مزروعاتهم التي أحرقها الاحتلال.
ويرى أن هذه الاستهدافات الممنهجة تهدف بشكل أساسي إلى تهجير من تبقى من السكان وتفريغ المنطقة الشرقية بالكامل لصالح مخططات الحزام الأمني التي يسعى الاحتلال لفرضها بقوة السلاح والنار على حساب دماء المواطنين.
وينبه أبو العبد في نهاية قراءته للمشهد إلى أن إصرار الأهالي على البقاء في منازلهم رغم خطورة الوضع هو جزء من معركة الوجود والثبات فوق الأرض الفلسطينية، مشدداً على أن الرصاص الطائش وقذائف الآليات لن تنجح في اقتلاع عائلته من منزلها الذي بناه بعرق جبينه، مطالباً المؤسسات الدولية بالضغط على سلطات الاحتلال لوقف هذا الإرهاب المنظم وإلزام جيشه باحترام حرمة البيوت والمدنيين العزل الذين ينشدون أبسط حقوق الحياة بأمان.
