ثلاثة أعوام كاملة مضت على اندلاع حرب الإبادة الجماعية الصهيونية في السابع من أكتوبر 2023، وما زال مئات آلاف الفلسطينيين عالقين في دوامة النزوح اللامتناهي، يفترشون الأرض ويلتحفون قماش الخيام البالية التي لا تقي حر الصيف ولا زمهرير الشتاء، فلقد سحقت مجنزرات الاحتلال وطائراته البنية التحتية والمنازل والمؤسسات، وحولت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة التي كان يعيشها المواطن الغزي قبل الحرب إلى أعباء قاسية ومعجزات تتطلب بذل عرق ودماء فقط للبقاء على قيد الحياة.
إن المشهد الإنساني والوجودي اليوم في قطاع غزة يختزل أعمق مأساة بشرية شهدها التاريخ الحديث؛ فالبيوت الدافئة التي رُكبت أحجارها بعرق السنين تبخرت، وتحولت إلى تلال من الركام والأنقاض، وتلاشت معها مصادر الرزق والعمل والمستقبل، ولم يترك الحصار والعدوان قطاعاً واحداً إلا وأصابه مقتل؛ إذ تهاوت المنظومة الصحية والتعليمية والبيئية كلياً.
وباتت عملية البحث عن شربة ماء صالح للشرب، أو توفير ربطة خبز للأطفال، أو حتى العثور على بضعة أمتار لنصب خيمة نايلون جديدة عوضاً عن المتهالكة، بمثابة صراع وجود يومي ينهك أجساد مئات آلاف النازحين.
وعلى الصعيد الصحي والتعليمي، تبلورت المأساة في أرقام مروعة؛ حيث حُرم مئات آلاف الأطفال والطلبة من حقهم في التعليم والمدارس لثلاثة أعوام متتالية، مما يهدد بضياع فكري وأكاديمي لجيل كامل من أبناء شعبنا، توازياً مع ذلك، تفشت الأوبئة والأمراض المزمنة والمعدية داخل مخيمات الإيواء الضيقة والفيضانات التي تبتلع فضاءات النزوح في الشتاء، نتيجة انعدام أدوات النظافة والتعقيم والمستلزمات الطبية وشح الوقود المشغل لما تبقى من نقاط طبية أهلية أو حكومية مكافحة.
هذا الواقع الاستثنائي جعل العيش في غزة عبارة عن معركة يومية صامتة لانتزاع الحياة من مخالب الموت والفقد والخذلان الدولي المستمر.
وأمام هذه التطورات الوجودية البالغة الخطورة، نرصد لكم شهادات حية تدمي القلوب لأهالينا النازحين في الخيام ومراكز الإيواء.
وفي هذا التقرير المميز والمطول بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على الحرب، ننقل لكم ملامح المعاناة الإنسانية واليومية الشاملة من خلال مقابلات حصرية تفكك فصول النكبة المتجددة في قطاع غزة.
غياب مقومات الخصوصية والكرامة الإنسانية..
يتحدث المواطن أبو محمد، وهو موظف حكومي سابق وأب لخمسة أطفال يعيشون حالياً داخل خيمة مصنوعة من الخيش والنايلون في مدينة دير البلح، واصفاً تحول حياته كلياً بعد ثلاثة أعوام من النزوح المستمر.
ويقول أبو محمد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إن النكبة بالنسبة له لا تختصر في تدمير شقته السكنية التي بناها بكدّ عمره فحسب، بل في فقدان الاستقرار والعمل والأمان؛ حيث تحول من معيل كريم لأسرته يملك بيتاً ووظيفة إلى باحث يومي متجول في طوابير المساعدات والمياه، يفتقر لأدنى مقومات الخصوصية والكرامة الإنسانية.
ويضيف أبو محمد بحسرة بالغة أن العثور على مأوى يحمي أطفاله أصبح بمثابة مهمة يومية شاقة تستنزف طاقته البدنية والنفسية؛ فالخيام بطبيعتها القماشية تتهالك سريعاً بفعل العوامل الجوية وأشعة الشمس الحارقة، في ظل القيود الصهيونية المشددة المفروضة على إدخال أقمشة الخيام ومستلزمات الإيواء عبر المعابر المغلقة. ويبين أن عائلته اضطرت للنزوح أكثر من سبع مرات طوال السنوات الثلاث الماضية، وفي كل مرة كان يضطر لبدء رحلة البحث من الصفر عن مساحة ترابية صغيرة خالية لنصب شتات خيمته وسط الاكتظاظ البشري المرعب في مساحة ضيقة جداً من القطاع.
ويؤكد الموظف النازح أن غلاء الأسعار الفاحش وانعدام القدرة الشرائية في الأسواق المحلية، جعله يعتمد بشكل كلي وشبه مطلق على طرود المساعدات الشحيحة التي تقلصت هي الأخرى إلى النصف مؤخراً، مما يهدد أطفاله بسوء التغذية والمجاعة.
ويختم حديثه بالقول إن ما يؤلمه أكثر هو الضياع الوجودي الذي يعيشه؛ حيث تمر السنون والشهور دون أي أفق سياسي واضح لإنهاء هذه المعاناة أو البدء بإعادة الإعمار، مما يجعل العائلات تشعر بأنها تعيش في مقبرة جماعية مؤقتة معزولة عن العالم الخارجي.
تجاوزت حدود القدرة البشرية..
بدوره أوضح الحكيم أحمد، وهو ممرض نازح من مدينة غزة ويعمل حالياً في نقطة طبية ميدانية داخل مخيم للنازحين بدير البلح، أن المعاناة الصحية بعد ثلاثة أعوام من الحرب تجاوزت حدود القدرة البشرية على التحمل والتشخيص.
ويشير إلى أن المنظومة الصحية في غزة أُبيدت بشكل ممنهج، وما بقي من نقاط طبية ومستشفيات أهلية يعمل وسط نقص فادح وصادم في الأدوية الأساسية والمستهلكات والوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية وفلاتر تنقية المياه.
ويضيف الحكيم في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن المأساة الصحية اليومية تتمثل في الانتشار المخيف للأمراض المعدية والأوبئة الفتاكة والجلدية بين الأطفال والنساء الحوامل داخل خيام النزوح، نتيجة الاكتظاظ الشديد وتدهور أنظمة الصرف الصحي وطفح مياه المجاري بين الخيام وغياب المنظفات.
ويبين بحرقة أنه يضطر يومياً لمعاينة مئات الحالات المصابة بنزلات معوية حادة والتهابات الكبد الوبائي وجفاف حاد، دون أن يملك في حقيبته الطبية سوى مسكنات بسيطة وبضع حبات من المضادات الحيوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع في مواجهة خطر حقيقي يتهدد حياة الفئات الهشة.
ويحذر الممرض الميداني من دخول فصل الشتاء الجديد الذي يحمل معه كوابيس الفيضانات والأمطار الكثيفة التي تجرف الخيام وتغرق ممتلكات النازحين الطبية، في ظل وجود آلاف المصابين ومبتوري الأطراف الذين يحتاجون رعاية صحية معقمة وبيئة دافئة وأطرافاً صناعية يمنع الاحتلال إدخالها، مؤكداً أن الكادر الطبي المنهك يعمل تحت ضغط نفسي هائل لتعويض غياب المستشفيات المركزية، مطالباً منظمة الصحة العالمية والمجتمع الدولي بالتدخل العاجل لإنقاذ المنظومة الصحية وفك الحصار الطبي المطبق على غزة قبل فوات الأوان.
كارثة تعليمية..
وتتحدث المعلمة وفاء، وهي مربية نازحة في فضاء تعليمي مؤقت (خيمة تعليمية) شمالي قطاع غزة، بملامح يملؤها الحزن والإصرار، واصفة الكارثة التعليمية التي تفتك بأجيال غزة بعد مرور ثلاثة أعوام على الانقطاع المدرسي المنظم.
وتقول إن العام الدراسي الجديد بدأ بشكل مأساوي في خيام قماشية ضيقة تفتقر للمقاعد والطاولات والكتب المطبوعة، حيث يجلس الطلاب على الحصائر والرمال وكأنهم عادوا لعصور ما قبل المدنية، نتيجة تدمير الاحتلال الممنهج لمئات المدارس والجامعات.
وتبين المعلمة وفاء في حديثها لـ"فلسطين الآن"، أن حجم "الفاقد التعليمي" والتربوي لدى الأطفال بات مرعباً للغاية ويشكل خطراً وجودياً على بنية المجتمع الفلسطيني؛ حيث نسي آلاف الأطفال في المراحل الأساسية مبادئ القراءة والكتابة والعمليات الحسابية البسيطة بسبب انقطاعهم الطويل عن مقاعد الدراسة والتربية.
وتضيف أن الخيام التعليمية التي تدعمها الأمم المتحدة وبعض الشركاء المحليين لا تستوعب سوى نصف أعداد الطلاب المسجلين، بينما يقدر أن مئات آلاف الأطفال الآخرين ما زالوا بلا أي تعليم منظم أو رعاية تربوية، مما يدفعهم للانخراط في أعمال شاقة لخدمة عائلاتهم.
وتختم المعلمة وفاء شهادتها الميدانية بالتأكيد على أن محاولات التعليم من داخل الخيام، رغم تواضع الإمكانيات وضوضاء البيئة المحيطة والحر الشديد، هي معركة وعي ومقاومة بحد ذاتها لإفشال مخطط الاحتلال الرامي لجهل الأجيال ومحو الهوية الوطنية.
وشددت على أن المعلمين الفلسطينيين يبذلون جهوداً مضاعفة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب لمساعدتهم على تجاوز صدمات الفقد والنزوح، مناشدة بضرورة وضع برنامج تربوي ووطني كبير لإعادة بناء المدارس وإعادة الطالب الفلسطيني لوضعه الطبيعي والآمن.
