17.27°القدس
17.43°رام الله
16.36°الخليل
23.19°غزة
17.27° القدس
رام الله17.43°
الخليل16.36°
غزة23.19°
الأحد 18 أكتوبر 2026
4.11جنيه إسترليني
4.36دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.09دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.11
دينار أردني4.36
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.09

تقارير "فلسطين الآن"..

بلطجةٌ فوق القانون الدولي.. إرهابُ المستوطنين يكسر الحصانة الأوروبية ويسحل الدبلوماسية في رام الله

خاص-فلسطين الآن

تتجاوز عنجهية المستوطنين الإسرائيليين المحميين بقوة السلاح من قِبل حكومة اليمين الفاشي كل الخطوط الحمر والمواثيق الدبلوماسية المعترف بها دولياً، لتدشن مرحلة جديدة من الفوضى المنظمة والإرهاب الميداني في عمق الضفة الغربية المحتلة، فما شهدته بلدة الطيبة شرقي رام الله لم يكن مجرد اعتداء عابر على مزارعين عزل، بل هجوماً مسلحاً ومخططاً له استهدف وفداً دبلوماسياً أوروبياً رفيع المستوى، جاء في جولة تضامنية لمساندة الفلسطينيين في موسم قطف الزيتون، هذا الاعتداء السافر يعكس العقلية الاستعلائية لميليشيات المستوطنين التي باتت ترى نفسها فوق المحاسبة وفوق القانون الدولي، مستمدة هذه الجرأة من الغطاء السياسي والأمني الذي توفره لها أركان الائتلاف الحاكم في تل أبيب.

ولم تشفع الحصانة الدبلوماسية ولا الأعلام الأوروبية المرفوعة فوق المركبات المهاجمة لمنع حدوث المحرقة الميدانية التي نفذتها مجموعة من المستوطنين الملثمين المدججين بالهراوات والقضبان الحديدية والحجارة، فقد تحولت جولة التضامن الإنساني في دقيقة واحدة إلى ساحة بلطجة واعتراض للمواكب الرسمية، حيث حاصر المهاجمون مركبات الوفد، وطالبوا الدبلوماسيين بإبراز وثائق هوياتهم تحت تهديد السلاح، هذا السلوك الميليشياوي يثبت بالدليل القاطع أن دولة الاحتلال فقدت السيطرة الكاملة والحوكمة الأمنية لصالح مجموعات إرهابية منظمة تفرض قوانينها الخاصة في مناطق الضفة، وتستهدف كل من يحاول توثيق جرائمها أو مساندة أصحاب الأرض الشرعيين.

ويتجلى الحقد الاستيطاني بأبشع صوره في الاستهداف الجسدي المباشر الذي تعرض له رئيس بلدية "أولنوا-إيميري" الفرنسي، برنار بودو، البالغ من العمر 78 عاماً، والذي كان يرتدي وشاحه الرسمي الثلاثي الألوان المعبّر عن الجمهورية الفرنسية.

هذا الوشاح الذي يحظى بالاحترام في شتى بقاع الأرض، داسه المستوطنون بأقدامهم حينما أقدموا على ضرب رئيس البلدية العجوز وركله بقسوة، قبل أن يلقوه أرضاً ممدداً ومستنداً إلى إحدى المركبات الدبلوماسية.

ورغم إصابته بجروح طفيفة وحالة الصدمة التي عاشها الوفد، إلا أن الحادثة كشفت عن وجه الاستيطان الحقيقي الذي لا يقيم وزناً لسنٍّ أو لمنصب دولي، طالما أن الضحية اختار الانحياز للحق الفلسطيني.

إن هذه الواقعة الخطيرة، التي تزامنت مع تدمير زجاج مركبات تابعة للقنصلية البلجيكية وملاحقة ممثلي دول كبرى مثل فرنسا وبولندا، تدق ناقوس الخطر حول مصير العمل الدبلوماسي والإنساني في الأراضي المحتلة.

ويبدو واضحاً أن رسالة المستوطنين من وراء هذا الهجوم الناري هي ترهيب المجتمع الدولي، وقطع الطريق أمام أي مراقب أجنبي يحاول كشف فصول حرب التطهير العرقي الصامتة التي تجري ضد شجرة الزيتون الفلسطينية.

وأمام هذا الانهيار الأخلاقي والسياسي للاحتلال، تبقى دماء وجراح المتضامنين الأجانب على تراب الطيبة شاهداً حياً على دموية مشروع استيطاني يقتات على إرهاب المدنيين وعزلهم.

الغضب المكتوم..

أثار الاعتداء الهمجي موجة عارمة من ردود الفعل الغاضبة في العواصم الأوروبية، حيث أدانت وزارة الخارجية البلجيكية عبر وزيرها ماكسيم بريفو الحادثة بشدة، معتبرة أن تعرض القنصل العام البلجيكي ومرافقيه لهجوم من مستوطنين ملثمين هو أمر لا يمكن السكوت عليه. وأكد بريفو في بيان رسمي أن الطواقم الدبلوماسية كانت تؤدي واجباً إنسانياً وتضامنياً مشروعاً، وأن حماية الفلسطينيين والدبلوماسيين هي مسؤولية تقع بالكامل على عاتق إسرائيل بصفتها القوة القائمة بالاحتلال.

وأعلن الوزير أن بلجيكا لن تكتفي ببيانات الاستنكار، بل ستضغط بقوة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات مشددة على المستوطنين المتورطين والجهات الرسمية التي تدعمهم.

ومن جانبها، دخلت الدبلوماسية الفرنسية على خط المواجهة السياسية الساخنة، إذ طالب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو سلطات الاحتلال بضرورة التحرك العاجل لوقف ما أسماه "العنف الإجرامي" ومحاسبة الجناة بشكل حازم وفوري.

وعبرت باريس عن صدمتها الشديدة من تعرض رئيس بلديتها السبعيني، برنار بودو، للضرب المبرح والركل من قِبل متطرفين يهود، مشددة على أن الحصانة المعنوية والسياسية للوفود الرسمية يجب أن تُحترم.

وأشارت المصادر الفرنسية إلى أن محاولات الهروب الإسرائيلية من المسؤولية عبر التشكيك في الرواية لن تغير من حقيقة أن الدبلوماسيين تعرضوا لتهديد مباشر على حياتهم في منطقة تقع تحت المسؤولية الأمنية للاحتلال.

وفي وارسو، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية البولندية ماسيج ويويور، أن وابل الحجارة والتهديدات بالهراوات التي استهدفت الموكب الدبلوماسي الذي يضم ممثلين عن بلاده يمثل سلوكاً مرفوضاً جملة وتفصيلاً في العرف الدولي.

وأوضح المتحدث أن الوفد البولندي نجا بأعجوبة دون إصابات جسدية، لكن الأضرار المادية والمعنوية جسيمة وتستدعي تحقيقاً جنائياً مستقلاً.

وتوافقت المواقف الأوروبية الثلاثة على أن ادعاءات مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، التي اعتبرت التقارير حملة تشويه ضد المستوطنين، هي محاولة بائسة لقلب الحقائق وتوفير غطاء مستمر لسياسة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها مرتكبو هذه الجرائم.

تحولاً استراتيجياً وخطيراً..

بدوره يرى المختص في الشؤون الإسرائيلية، الأستاذ محمد البحيصي، أن اعتداء المستوطنين الملثمين على وفد دبلوماسي أوروبي في بلدة الطيبة يمثل تحولاً استراتيجياً وخطيراً في سلوك الجماعات الاستيطانية، التي باتت تتصرف كدولة داخل الدولة دون أي رادع عسكري أو قضائي داخلي.

ويشير البحيصي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن المجموعات المتطرفة التي هاجمت رئيس البلدية الفرنسي والدبلوماسيين البلجيكيين والبولنديين لم تكن تخشى الاعتقال أو الملاحقة، لعلمها المسبق بأن المنظومة القضائية الإسرائيلية نادراً ما تقدم مستوطناً للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم عنف ضد الفلسطينيين أو المتضامنين معهم، مبيناً أن هذا التراخي المعتمد من أجهزة الأمن والشرطة يمنح هذه الميليشيات الضوء الأخضر لتوسيع نطاق أهدافها لتشمل الشخصيات الدولية الحصينة.

ويوضح الخبير أن رد الفعل الصادر عن مكتب بنيامين نتنياهو، والذي تبنى نبرة التشكيك والمطالبة بأدلة دامغة رغم توثيق الحادثة بالفيديو، يهدف إلى امتصاص الغضب الأوروبي وحماية القاعدة الانتخابية اليمينية التي يرتكز عليها الائتلاف الحكومي، مبيناً أن هذا الموقف الرسمي يتماهى بشكل كامل مع تصريحات وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي حاول إلقاء اللوم على الوفد الأوروبي بحجة عدم التنسيق المسبق مع جيش الاحتلال، مشيراً إلى أن هذه السردية الإسرائيلية تسعى لفرض واقع سياسي مفاده أن أي تحرك دولي أو إنساني في الضفة الغربية يجب أن يمر عبر بوابة الموافقة العسكرية للاحتلال، مما يفرغ العمل الدبلوماسي من محتواه السيادي المستقل.

ويضيف المختص أن توقيت الهجوم في ذروة موسم قطف الزيتون يحمل رسالة إرهاب واضحة للمزارع الفلسطيني وللمتضامن الأجنبي على حد سواء، ومفادها أن الأرض مستباحة بالكامل ولا توجد منطقة آمنة، فالاحتلال يسعى عبر أذرعه الاستيطانية إلى تفريغ المناطق المصنفة "ب" و"ج" من أي تواجد فلسطيني أو رقابة دولية، تسهيلاً لعمليات قضم الأراضي والتوسع البؤري غير الشرعي، وإن صراخ المستوطن الملثم بعبارة "تحيا فرنسا" (Vive la France) أثناء ضربه لرئيس البلدية الفرنسي يعكس سخرية مبطنة واستهزاءً تاماً بالقيم والمواثيق الأوروبية التي يقف المجتمع الدولي عاجزاً عن فرضها لحماية أمنه الدبلوماسي.

واخختم البحيصي حديثه، بالتأكيد على أن المنظومة السياسية والأمنية في إسرائيل باتت رهينة لتيارات الصهيونية الدينية المتطرفة التي يقودها وزراء في الحكومة الحالية، مبيناً أن هذا التداخل العضوي بين ممارسات الميليشيات على الأرض والتشريعات والسياسات الرسمية يحول دون إمكانية نجاح أي تحقيقات داخلية تزعم شرطة الاحتلال فتحها، وبالتالي، فإن هذا الاعتداء قد يشكل نقطة تحول تدفع ببعض الدول الأوروبية، مثل بلجيكا وفرنسا، نحو اتخاذ خطوات أحادية الجانب لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية مباشرة، بعد أن أثبتت التجربة الميدانية أن حصانة ممثليهم تُنتهك وتُداس تحت جزم المستوطنين دون أي اعتبار.

المصدر: فلسطين الآن