17.12°القدس
16.88°رام الله
15.86°الخليل
20.55°غزة
17.12° القدس
رام الله16.88°
الخليل15.86°
غزة20.55°
الأحد 18 أكتوبر 2026
4.11جنيه إسترليني
4.36دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.09دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.11
دينار أردني4.36
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.09

ذوو الإعاقة السمعية... حرب الإبادة تعزلهم وتحرمهم العلاج في غزة

2289492723.jpeg
2289492723.jpeg

تشتدّ معاناة ذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة، حيث يشكّلون إحدى أكثر الفئات تضرراً نتيجة حرب الإبادة واستمرار الحصار الإسرائيلي، ما أدى إلى حرمانهم من الرعاية الطبية وزراعة قوقعة الأذن إلا بعدد محدود جدّاً، وسط نقصٍ شديد في البطاريات والسماعات وقطع الغيار، علماً أن الآلاف صاروا عرضة لفقدان السمع.

أدّت حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى ارتفاع أعداد المصابين بإعاقات سمعية من جراء الانفجارات الهائلة التي وقعت على مدار عامين متواصلين. وتتفاقم معاناة ذوي الإعاقة السمعية نتيجة ضعف عملية التأهيل، وشحّ قطع الغيار والبطاريات اللازمة لتشغيل السماعات، وتوقف عمليات زراعة قوقعة الأذن أو إجرائها بشكل محدود، ما أفقد المصابين القدرة على التواصل مع عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي.

كما يواجه أهالي الأطفال الذين أجروا عمليات زراعة قوقعة قبل الحرب مشكلات كبيرة، ويعانون في رحلة البحث عن بطاريات وقطع غيار، ما أدّى إلى فقدان هؤلاء الأطفال القدرة على السمع والنطق، وأدخلهم في معاناة نفسية كبيرة، فيما تكافح عائلاتهم التي تملك تحويلاتٍ للعلاج في الخارج من أجل السفر لإجراء عملية زراعة القوقعة وفتح نافذة الأمل لأطفالهم من جديد.

وبعد انتظار طويل دام ثلاثة أعوام من المنع والإغلاق، سمح الاحتلال بإدخال 1500 سماعة طبية في أغسطس/ آب 2026 وزّعتها شركة أستيميد (شركة متخصّصة في تقديم الحلول الطبية والسمعية المتكاملة) بدعم من مؤسسة وقف الديانة التركي (خيرية). وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، سمح الاحتلال الإسرائيلي بقدوم جرّاح روسي متخصّص في عملية زراعة القوقعة ووفد طبي مساعد، حيث أجرى 50 عملية زراعة في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبيّ القطاع من خلال جمعية "من حقي أسمع" في الولايات المتحدة الأميركية، وبتمويل من "الهيئة الإسلامية للتنمية والتمكين في أميركا".

يقول محمود اليعقوبي، وهو اختصاصي السمع والتخاطب ومدير شركة أستيميد التي نفّذت المشروعين في غزة، إنّ المشروع الأول تضمّن تركيب 1500 سماعة طبية من أصل إجمالي 16 ألف مريض بحاجة إلى سماعات، لافتاً إلى أنّ المشروع الثاني المتعلق بزراعة القوقعة حلّ مشكلة 50 طفلاً من قائمة انتظار تضمّ 200 مريض يحتاجون إلى زراعة قوقعة.

ويضيف اليعقوبي أنّ مجمل ما جرى إدخاله من مستلزمات تخصّ ذوي الإعاقة السمعية لا يفي بجزء بسيط من الحاجات، سواء من البطاريات أو قطع الغيار أو السماعات، ولكنّه ساهم في تخفيف المعاناة.

وبحسب اليعقوبي، يؤدي منع الاحتلال دخول قطع الغيار اللازمة والبطاريات والسماعات إلى مفاقمة معاناة ذوي الإعاقة السمعية، ما يجعلهم غير قادرين على سماع الانفجارات والمخاطر التي تحيط بهم في ظل فقدان حاسة السمع. ويحذّر من تداعيات كارثية نتيجة عدم اكتشاف الإعاقة السمعية بشكل مبكر، ما يؤدي إلى زيادة أعداد المصابين وعدم إيجاد الحلول اللازمة لهم، أو استغلال الوقت المبكر لتطوّرهم، واكتسابهم اللغة والنطق، وبالتالي عدم تمتّعهم بحياة سمعية طبيعية، عندما يُحرمون من السماعات وقطع الغيار أو من زراعة قوقعة الأذن في سنّ مبكرة.

ويؤكّد اليعقوبي أنّ "المحافظة على السماعات الطبية، كونها قطعاً إلكترونية، يتطلب أجواء نظيفة قد لا تتوفر في بيئة النزوح، والبقاء من دون استخدامها يفاقم درجة ضعف السمع". ويعدّد أسباب تفاقم المشكلة، بدءاً من الانفجارات والتلوث الضوضائي والبيئي إلى العوامل الوراثية وسوء التغذية. ويضيف: "يُولد كثير من الأطفال بإعاقة سمعية تُكتشف في وقتٍ متأخر قد يصل إلى عامٍ ونصف عام، بسبب عدم توفر الأجهزة الطبية اللازمة للكشف المبكر. كما أنّ عدم توفر زراعة قوقعة الأذن، بسبب نقص الكوادر المتخصّصة والإمكانات، يفاقم مشكلة هؤلاء الأطفال".

ووفقاً لمدير جمعية أطفالنا للصم في غزة فادي عابد، فإنّ أعداد ذوي الإعاقة السمعية ارتفع من عشرة آلاف مصاب قبل الحرب إلى 45 ألفاً بسبب ظروف الحرب وقوة الانفجارات وغياب الرعاية الصحية، فيما يبلغ حجم النقص الحالي في السماعات الطبية نحو 50 ألف سماعة طبية، كما أن 83% تقريباً من ذوي الإعاقة الحركية والسمعية والبصرية فقدوا أدواتهم المساعدة.

ويقول عابد إنّ "ذوي الإعاقة السمعية من أكثر الفئات تضرراً من جراء الحرب التي أدّت إلى حرمان الأطفال وذوي الإعاقة في القطاع من الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك خدمات التأهيل والتعليم الدامج والدعم النفسي نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل الخدمات. ويؤدي فقدان الأجهزة والوسائل السمعية إلى تفاقم هذه المعاناة، وتصبح قدرة الأشخاص على تلقي العلاج محدودة".

ويتطرق عابد إلى نتائج دراسة أجرتها جمعية أطفالنا للصم، تُظهر أنّ ما يقارب 35 ألف شخص في قطاع غزة مُعرّضون لفقدان السمع كلياً أو جزئياً إذا لم يُجرَ أي تدخل عاجل لحمايتهم، وذلك نتيجة الحرب والتعرض المتكرّر للانفجارات، وتأخير الرعاية الصحية. وتحذّر الدراسة من أن حالات فقدان السمع الجزئي قد تتحول إلى إعاقات دائمة في حال عدم التدخل المبكر والتأهيل السمعي واللغوي في الوقت المناسب.

وبعد معاناة الانتظار، أجرى الطفل وسيم محمد الجدبة (7 أعوام) وشقيقته نسرين (3 أعوام) عمليّتَي زراعة قوقعة. وتروي والدة الطفلين أنّها عانت كثيراً في انتظار إجراء العمليّتين، وتقول: "ضاعت ثلاثة أعوام من عمر وسيم، وأنا أبحث له بين المراكز عن أدوات تُعينه على السمع، ولكن من دون جدوى".

وكانت معاناة وسيم مع الإعاقة السمعية قد بدأت مبكراً، واستمرّت سبعة أعوام من دون حلّ، فبعد عامه الأول، لاحظت والدته أنّه لا يستجيب لنداءاتها، وفي لحظة اقترابه من فرن الطهي لم يستجب لصراخها، وكاد أن يحترق. فكان ذلك علامة على إصابته بإعاقة سمعية أكّدتها الفحوص الطبية، ولكن نتيجة خوف الأهل من زراعة القوقعة، حاولوا تجريب السماعات الطبية التي لم تكن ذات جدوى كبيرة.

وتتابع الوالدة: "أمّا طفلتي نسرين، فوُلدت قبل الحرب بعشرين يوماً، وعندما بلغ عمرها شهراً واحداً، أظهرت الفحوص إصابتها بفقدان شديد للسمع، ولم تفلح جهودنا في إجراء زراعة القوقعة للطفلين إلا في 17 سبتمبر الماضي". إضافة إلى معاناة الوالدة مع طفلَيها لجهة نقص المستلزمات والرعاية الصحية، واجهت الجدبة صعوبات عدّة. وتشرح كيف كانت تهرع لإنقاذ وسيم في كلّ مرة كان يقف فيها مع أطفال المخيم ويبدأ القصف، كونه لا يسمع أصوات الطيران والغارات، فلا يهرب أسوة بغيره من الأطفال، خصوصاً أنّ سماعته بقيت في منزلهم الذي قُصف بدوره، وظلّ وسيم من دون أيّ أدوات سمعية مساعدة ثلاثة أعوام".

المصدر: فلسطين الآن، العربي الجديد