28.28°القدس
28.04°رام الله
27.06°الخليل
30.73°غزة
28.28° القدس
رام الله28.04°
الخليل27.06°
غزة30.73°
الجمعة 23 أكتوبر 2026
4.17جنيه إسترليني
4.39دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.17
دينار أردني4.39
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي3.11

عودة شبح المجاعة... الاحتلال يخنُق غزة ويعطّل المستشفيات

GettyImages-2300483589.jpg
GettyImages-2300483589.jpg

تتفاقم معاناة أهالي قطاع غزة إثر تقليص برنامج الأغذية العالمي ثلث مساعداته الغذائية، وسط استمرار الحصار الإسرائيلي الخانق الذي يُبقي أكثر من مليونَي فلسطيني تحت وطأة الحرمان من مقوّمات البقاء، ويكرّس استخدام التجويع وتعطيل عمل المستشفيات أداةً في جريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

عاد شبح المجاعة إلى قطاع غزة من جديد في خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، نتيجة السياسات المتّبعة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بدءاً من تجدّد إغلاق المعابر بالتزامن مع موسم الأعياد اليهودية، مروراً بشحّ المواد والمستلزمات الحيوية، وصولاً إلى إعلان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في 19 أكتوبر الجاري تقليص ثلث خدماته المقدمة على صعيد المساعدات الغذائية، وهو ما سيؤدّي إلى فقدان نصف مليون شخص إمكانية الحصول على المساعدات الحيوية.

وبحسب بيان البرنامج الأممي، فقد شكّلت مساعداته الغذائية، على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، شريان حياة لما يصل إلى 90% من العائلات في غزة. وأشار إلى أنّه منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وصل البرنامج إلى نحو 1.6 مليون شخص شهرياً من خلال الطرود الغذائية ودقيق القمح والخبز والوجبات الساخنة والدعم الغذائي والوجبات الخفيفة المدرسية والمساعدات النقدية، غير أنّه لم يعد لدى البرنامج ما يكفي من التمويل لمواصلة تقديم هذا المستوى من الدعم.

وسبق أن عاش سكان قطاع غزة عمليّتَي تجويع، كانت الأصعب بينهما، حين منع جيش الاحتلال دخول البضائع بشكل مباشر إلى القطاع، واستهدف عمليات تأمين الشاحنات، فضلاً عن استهدافه الفلسطينيين في مناطق توزيع المساعدات، من خلال ما يُعرَف بـ"مؤسسة غزة الإنسانية" التي كشفت عنها سلطات الاحتلال في مايو/ أيار 2025 بعد حظر أنشطة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وفي 18 أكتوبر الحالي، أكد منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يورام هليفي، في رسالة نشرتها الخارجية الإسرائيلية، أنّ إدخال 250 شاحنة يومياً للقطاع كافٍ إنسانياً، ولكنّه أقرّ بأنّ اتفاق وقف إطلاق النار يحدّد دخول 600 شاحنة يومياً. وبالتزامن مع ذلك، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، من تجدّد خطر المجاعة في غزة، مع شحّ الدقيق والمواد الغذائية الأساسية وتوقف مخابز عن العمل وانهيار القدرة الشرائية للسكان، في ظلّ استمرار الحصار الإسرائيلي والقيود المفروضة على الإمدادات الإنسانية والتجارية.

ولفت المرصد إلى أنّ إحكام الحصار والتحكم في كمية الغذاء ونوعيته وانتظام دخوله، بعد تدمير مصادر إنتاجه وسبل الحصول عليه، يُبقي أكثر من مليونَي فلسطيني تحت وطأة الحرمان من مقوّمات البقاء، ويكرّس استخدام التجويع أداةً في جريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.


إغلاق مخابز وشحّ حادّ

منذ 13 أكتوبر الجاري أوقفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنسيقات إدخال البضائع التجارية، قبل أن تعلن إعادة السماح الجزئي والتدريجي بدخولها في 19 أكتوبر، غير أنّ هذا الإعلان لم يُنهِ الأزمة فعلياً، إذ بقيت كميات البضائع المسموح بدخولها محدودة جدّاً.

وبحسب المرصد الأورومتوسطي، تبيّن من خلال الجولات الميدانية في قطاع غزة، وجود شحّ شديد في الخضروات والفواكه ومواد أساسية أخرى، وارتفاع أسعار الأصناف المتبقية بما يتجاوز القدرة الشرائية لغالبية السكان، الذين فقدوا مصادر دخلهم واستُنزفت مدّخراتهم بفعل سياسات الحصار والتدمير والتهجير المتكرّر وسياسات الإفقار الممنهج التي تفرضها إسرائيل مخالفةً القانون الدولي.

وأعلن المرصد أنّ أزمة نفاد الدقيق وشحّ وقود التشغيل أدّت إلى إغلاق مخابز عدّة أبوابها خلال الأيام القليلة الماضية، بما في ذلك توقف مخبزين رئيسيّين عن العمل في مدينة غزة، الأربعاء، الأمر الذي أعاد مشاهد طوابير الخبز الطويلة والمرهقة إلى الظهور من جديد وسط غلاء عام وحادّ، مشيراً إلى أنّ توقف المخابز يحرم آلاف العائلات النازحة والمقيمة من المصدر الغذائي الأهم الذي تعتمد عليه للبقاء على قيد الحياة، في ظلّ غياب غاز الطهي وصعوبة إعداد الطعام داخل الخيام ومراكز الإيواء المكتظة.

وبحسب رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة، فإنّ سبعة مخابز متبقية تعمل بدعم من برنامج الأغذية العالمي مهدّدة بالتوقف خلال 48 ساعة (تاريخ كتابة التقرير)، بسبب عدم السماح بدخول شاحنات الطحين التي تعتمد عليها حتى صباح الأحد 25 أكتوبر على أقلّ تقدير، وسط انعدام اليقين بشأن حركة المعابر. وفي 25 سبتمبر/ أيلول الماضي، وثّق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنّ 94% من سكان القطاع ما زالوا بحاجة ماسّة إلى المأوى والمساعدات المنزلية الأساسية، فيما تعيش 65% من الأسر في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر حماية كافية من الظروف الجوية.

شهادات تجويع
منذ ساعات الصباح، خرج الشاب العشريني أحمد أبو سلامة، المقيم في أحد مخيمات النازحين، للبحث عن ربطة خبز لأشقائه، ولكنّه وجد كلّ المخابز المحيطة بحيّ النصر شمال غربيّ مدينة غزة مغلقة. يقول أحمد إنّ "الأمور كانت على ما يُرام قبل الإغلاق، إذ كانت أغراض المنزل والخبز والخضار والفواكه متوافرة بشكل مقبول، أمّا اليوم فكلّ شيء إمّا نفد من المتاجر أو صار يُباع في السوق السوداء بأضعاف سعره، ما يُعيد إلى الأذهان مشاهد الجوع والمجاعة".

من جانبه، يقول الفلسطيني محمد حسان إنّ الخوف من عودة المجاعة صار حاضراً بقوّة لدى جميع أهالي غزة، بعدما عاشوا ظروفاً إنسانية قاسية في خلال فترة المجاعة التي شهدها القطاع أثناء الحرب الإسرائيلية. ويستعيد محمد ذكريات الجوع الأولى، وما عاناه أطفال عائلته حينها من نقص المناعة وسوء التغذية، مشيراً إلى أنّ تلك التجربة تركت آثاراً عميقة لدى الفلسطينيين الذين يخشون اليوم تكرار الظروف ذاتها في ظلّ تفاقم الأزمة الغذائية حالياً.

بدورها، تصف الفلسطينية مريم حسان واقع الأسواق في قطاع غزة بـ"السيئ"، إذ قفزت الأسعار في خلال الأسبوع الأخير بوتيرة كبيرة، واختفت السلع الأساسية مثل الخضروات والفواكه والدقيق، بحسب قولها. وتضيف أنّ "رفوف المحال التجارية صارت شبه فارغة في أماكن عدّة، وأنّ بعض الخضروات باتت نادرة أو غير متوفرة، ما يضطر السكان إلى البحث عن السلع وحاجاتهم اليومية في أسواق مختلفة، من دون ضمان العثور عليها".

وتؤكد مريم أنّ الأسعار ارتفعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة الحالية، مشيرةً إلى أنّ بعض السلع باتت تُباع بأضعاف أسعارها السابقة، وسط عدم وجود مصادر دخل للعائلات نتيجة حرب الإبادة وظروف القطاع.

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة في قطاع غزة الصادرة في 16 أكتوبر الجاري، فقد توفي 466 فلسطينياً، بينهم 157 طفلاً، من جراء سوء التغذية والتجويع منذ عام 2024، محذّرةً من استمرار تعرّض أكثر من 1.4 مليون شخص لخطر الأزمة الغذائية حتى نهاية 2026.

وأفادت الوزارة بأنّها سجّلت 158 ألفاً وحالة واحدة من سوء التغذية الحادّ لدى الأطفال دون سنّ الخامسة، منذ عام 2024 وحتى أغسطس/ آب 2026. وتوقعت حاجة 74,200 طفل إلى علاج من سوء التغذية الحادّ حتى إبريل/ نيسان 2027، فضلاً عن ارتفاع نسبة الإصابة بفقر الدم بين الحوامل إلى 61% خلال عام 2026 مقارنةً بـ41% قبل الحرب، وتسجيل قرابة 4,000 حالة فقدان حمل في النصف الأول من العام الجاري، بزيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف الأشهر الستة السابقة.

وتحذّر المتحدثة الرسمية باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت، من تفاقم أزمة الجوع في القطاع في حال استمرار الأوضاع الراهنة، مؤكّدةً أنّ الأسر الفقيرة باتت مهدّدة بفقدان قوت يومها، في ظلّ أزمة غذائية متراكمة تسبق القرارات الإسرائيلية الأخيرة وتزيد من تداعياتها الإنسانية.

وتشدّد على أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى تفاقم أزمة الجوع، مشيرةً إلى أنّ القطاع يعاني أساساً من أزمة غذائية حادّة، وأنّ التطورات الأخيرة أعادت شبح المجاعة إلى الواجهة، وسط ارتفاع المخاوف بشأن قدرة الأسر الفقيرة على تأمين حاجاتها الأساسية.

وتنبّه الكحلوت إلى أنّ مئات آلاف الأسر باتت تواجه ظروفاً معيشية شديدة الصعوبة في ظلّ تراجع الإمكانات المتاحة لتوفير الغذاء والمساعدات الإنسانية، محذّرةً من أنّ استمرار هذه الظروف سيضع مزيداً من الفئات الهشّة أمام خطر الجوع والحرمان، ولا سيّما الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

وتكشف أنّ نحو 530 ألف أسرة مسجّلة ضمن برامج وزارة التنمية الاجتماعية بحاجة إلى مساعدات مستمرة، في حين يعيش نحو مليون و22 ألف شخص في مراكز النزوح والمخيمات، ويفتقرون إلى أدنى مقوّمات الحياة الكريمة.

وتلفت الكحلوت إلى أنّ الفئات الأكثر هشاشة تواجه مخاطر متزايدة، في ظلّ وجود نحو 71 ألف يتيم، و68 ألف أرملة، و45 ألف شخص من ذوي الإعاقة، إضافة إلى 18 ألفاً من كبار السن، مؤكدةً أنّ هذه الشرائح تحتاج إلى رعاية ومساعدات متواصلة، ولا سيّما في ظلّ التدهور المتواصل للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.

وترى أنّ القرارات والإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل وصول الحاجات الأساسية والمساعدات الإنسانية تسهم في تعميق الأزمة المعيشية، وتزيد معاناة السكان الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والفقر، محذّرةً من أنّ استمرار هذه السياسات يهدّد الأمن الغذائي لشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في غزة.

وتدعو الكحلوت المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى اتّخاذ موقف جادّ ومسؤول يتجاوز بيانات القلق والإدانة، والتحرك العاجل لضمان استمرار تدفق المساعدات الغذائية والإنسانية إلى القطاع.


المستشفيات في دائرة الخطر
ويتزامن شبح التجويع مع أزمات أخرى تضرب القطاع الصحي، كان آخرها تحذير وزارة الصحة في قطاع غزة، من توقف قسري ومفاجئ للمولدات الكهربائية في المستشفيات، بسبب النفاد التامّ لزيوت التشغيل وحظر إسرائيل إدخالها إلى القطاع، ما يجعل المحركات عرضة للتلف المباشر والاحتراق الكامل في أيّ لحظة.

وفي بيان نشرته على صفحتها بموقع فيسبوك، أفادت صحة غزة بأنّ الفرق الهندسية تعمل في ظروفٍ فنية معقدة، وهي تتابع عمل المولدات الكهربائية ومحاولات الإبقاء على عملها في إمداد الأقسام الحيوية بالكهرباء. ونبّهت إلى أنّ الاستنزاف المستمر للمولدات الكهربائية وتشغيلها لآلاف الساعات المتواصلة من دون زيوت أو صيانة، أدّى إلى وصول هذه المولدات إلى نقطة الخطر الميكانيكي الأخير.

وأكدت وزارة الصحة أنّ فقدان المولدات بسبب احتراق محركاتها لغياب الزيوت يعني فقداناً دائماً للقدرة على التشغيل، حتى لو توفرت الزيوت لاحقاً. وجدّدت مطالبتها الجهات المعنية كافة بالتدخل العاجل والفوري، فالأمر لم يعد يتوقف على توفير الزيوت، بل على حماية ما تبقى من المولدات من الانهيار التامّ.

وكانت الوزارة قد أعلنت الأربعاء، نفاد الزيوت اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء بالمستشفيات، مؤكدةً حاجتها العاجلة إلى أكثر من 2500 لتر شهرياً لمنع انهيار المولدات المتبقية، وسط قيود إسرائيلية على إدخال مستلزمات التشغيل والصيانة.

المصدر: فلسطين الآن