22.84°القدس
22.58°رام الله
21.66°الخليل
26.5°غزة
22.84° القدس
رام الله22.58°
الخليل21.66°
غزة26.5°
الأحد 25 أكتوبر 2026
4.15جنيه إسترليني
4.38دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.15
دينار أردني4.38
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.11

تقارير "فلسطين الآن"..

خريطة الدم والتهجير الصامت.. كيف يستنسخ الاحتلال "نموذج غزة" لإبادة جبل الخليل ديموغرافياً؟

خاص-فلسطين الآن

لا يرتدي الحصار الإسرائيلي المطبق على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، عباءة "العملية العسكرية الخاطفة" أو الإجراء الأمني المؤقت؛ بل يتكشف سرياعً عن مخطط استراتيجي أعمق وأكثر خطورة، فمنذ العملية الفدائية التي نفذها الشهيدان أحمد وحمودة الجعبة، ابنا حي "عين دير بَحّة"، أطلق جيش الاحتلال آلة عقاب جماعي تجاوزت حدود المداهمات التقليدية، لتلامس حدود الهندسة الديموغرافية الشاملة، فإن ما تشهده الخليل اليوم ليس مجرد رد فعل ميداني، بل هو تدشين عملي لنموذج عقابي وتنكيلي يسعى إلى تحويل التهجير من أداة تكتيكية استثنائية إلى واقع جغرافي وسياسي ثابت يعيد رسم خريطة الوجود الفلسطيني.

إن المشاهد القادمة من أحياء الخليل المحاصرة باتت تحاكي، بتفاصيلها المرعبة، فصول حرب الإبادة والتهجير الشامل التي يعيشها قطاع غزة، حيث يعمد الاحتلال إلى تطويق المربعات السكنية، وفصل الأحياء عن بعضها بالبوابات الحديدية والسواتر الترابية، ثم ممارسة ضغط عسكري ونفسي هائل يدفع بالسكان نحو "النزوح الطوعي القسري"، فهذه السياسة الممنهجة لإفراغ الأرض من أصحابها تتم دون تقديم أي ضمانات للعودة، وسط عمليات هدم وتدمير للبنية التحتية والمنازل، مما يضع المواطن الفلسطيني أمام خيارين أحلاهما مر: إما البقاء تحت مقصلة التنكيل اليومي أو الرحيل المجهول بلا عودة.

هذه العقيدة العسكرية الإسرائيلية المستحدثة في الضفة الغربية تقوم على استنساخ دقيق لـ "نموذج غزة"، حيث تُحوّل الأحياء الآهلة بالسكان إلى مناطق عسكرية مغلقة، ويُجبر الأهالي على ترك منازلهم تحت وطأة التهديد بالسلاح وهدم البيوت فوق رؤوسهم، والخطورة الكامنة في هذا السلوك التدميري تمكم في شرعنة "النزوح بلا عودة" داخل حدود الضفة، ليكون مقدمة لتوسيع السيطرة الاستيطانية، وقضم ما تبقى من جغرافيا فلسطينية متصلة، إن جبل الخليل اليوم يقف في مواجهة تيار جارف يريد تحويل النزوح المؤقت إلى ترحيل أبدي يقتلع الجذور التاريخية للمدينة.

وسط هذا المشهد القاتم، تتصاعد المخاوف الشعبية والرسمية من نجاح الاحتلال في فرض معادلة "التهجير الصامت" عبر بوابة أحياء الخليل، فالخليل، بما تمثله من ثقل ديموغرافي واقتصادي وتاريخي في جنوب الضفة الغربية، تعد حجر الزاوية في مشاريع الاستيطان والضم الإسرائيلية، وإن الصمود الأسطوري لأهالي حي "عين دير بحّة" والأحياء المجاورة يمثل خط الدفاع الأول ليس عن الخليل وحدها، بل عن جغرافيا الضفة الغربية بأكملها التي يتهددها وباء المحاصرة والتفريغ والإحلال.

محاكاة نموذج غزة..

وتؤكد المعطيات الميدانية في الخليل أن قيادة جيش الاحتلال بدأت بنقل "العقيدة التدميرية" من جبهة غزة إلى جبهة الضفة الغربية، مع مراعاة الفوارق الجغرافية. فالطريقة التي طُوّق بها حي "عين دير بحّة" عقب عملية أول من أمس الجمعة، تعتمد على عزل المربع المستهدف بالكامل، وقطع الاتصالات والمياه والكهرباء، واستخدام العائلات كدروع بشرية، وهي ذات الخطوات التي سبقت إفراغ أحياء كاملة في شمال غزة.

ويسعى الاحتلال من خلال هذا التكتيك إلى خلق بيئة غير قابلة للحياة، مما يجبر المواطنين على الفرار حماية لأطفالهم، ليجدوا أنفسهم لاحقاً ممنوعين من العودة بقرارات عسكرية تدرج قراهم وأحيائهم ضمن "المناطق المغلقة".

ولا ينفصل الحصار العسكري عن الرغبة الإسرائيلية في تدمير عصب الحياة في الخليل، باعتبارها العاصمة الاقتصادية للضفة الغربية، فإن إغلاق المداخل الرئيسية، وشل حركة البضائع، ومنع العمال والتجار من التنقل، يؤدي إلى خنق السوق المحلي ودفع المنشآت الاقتصادية نحو الانهيار، هذا الحصار الاقتصادي المطبق يعمل بالتوازي مع الحصار العسكري كأداة ضغط غير مباشرة لتسريع الهجرة الداخلية؛ فحين يفقد المواطن أمنه الشخصي وقدرته على تأمين لقمة عيش عائلته، يصح الترحيل أمراً واقعاً تفرضه الظروف المعيشية المعقدة التي يصنعها الاحتلال بعناية.

ويكشف تحليل السلوك الإسرائيلي في الخليل أن الذرائع الأمنية وعمليات الملاحقة العسكرية ليست سوى غطاء لتنفيذ مخطط استيطاني قديم متجدد، فالأحياء المستهدفة بالحصار والهدم تقع في مناطق تماثل نقاط التماس مع البؤر الاستيطانية الجاثمة في قلب المدينة وعلى أطرافها، مثل "كريات أربع".

ويهدف الاحتلال من خلال إفراغ هذه الأحياء وتدمير منازلها إلى توسيع الممرات الأمنية للمستوطنين، وخلق تواصل جغرافي بين المستوطنات المعزولة، مما يعين تحويل الخليل إلى كانتونات ممزقة يسهل السيطرة عليها وإدارتها أمنياً وديموغرافياً.

وإن أخطر ما ينطوي عليه "نموذج غزة المستنسخ" في الخليل هو إسقاط القوانين الدولية التي تحمي المدنيين زمن الحرب، وغياب أي ضمانات أممية أو دولية تكفل عودة النازحين إلى منازلهم.

ويستغل الاحتلال حالة الصمت الدولي وانشغال العالم بحروب الإبادة الإقليمية ليجعل من "التهجير والنزوح في الضفة" حدثاً اعتيادياً لا يستدعي الإدانة، فهذا التواطؤ الدولي يمنح الضوء الأخضر لحكومة اليمين المتطرفة للمضي قدماً في سياسة التطهير العرقي الصامت، مستبدلة القانون الدولي بقانون القوة وفرض الأمر الواقع على الأرض.

التهجير الصامت..

ويقول المواطن أبو إياد الجعبة، أحد سكان حي "عين دير بحّة"، إن الوضع هنا مرعب للغاية ولا يختلف عما نراه على شاشات التلفاز في غزة، فجيش الاحتلال اقتحم الحي بمئات الجنود والآليات الثقيلة، وقاموا بطردنا من منازلنا تحت تهديد السلاح.

وأضاف: "عندما سألنا الضابط إلى أين نذهب ومتى نعود؟ صرخ في وجوهنا وقال: "ارحلوا من هنا، لا عودة لكم إلى هذا الحي"، إنهم يريدون معاقبتنا جماعياً وهدم بيوتنا بذريعة أن الشهيدين أحمد وحمودة خرجا من هنا، لكن الهدف الحقيقي هو إفراغ المنطقة لصالح المستوطنين. لن نرحل، وسننام في الشوارع إن هدموا بيوتنا".

أما الباحث في شؤون الاستيطان، عارف جابر، فقال إن ما يمارسه الاحتلال في الخليل اليوم هو تطبيق حرفي لسياسة "الضم الفعلي" عبر التهجير الصامت، مبيناً أنهم يستغلون العمليات العسكرية كرافعة لفرض وقائع ديموغرافية جديدة.

وأضاف: "الاحتلال يسعى إلى تفريغ مناطق (ج) والأحياء المحيطة بالبلدة القديمة ونقاط التماس في الخليل ليحولها إلى مناطق عسكرية عازلة توفر الحماية والتمدد للمستوطنين، مبيناً أن هذا النموذج إذا نجح في الخليل، فسيتم تعميمه فوراً على نابلس وجنين وطولكرم، مما يعني تصفية قضية الضفة الغربية وتحويل تجمعاتها السكانية إلى معازل عائلية مخنوقة".

 

المصدر: فلسطين الآن