18.39°القدس
18.18°رام الله
17.36°الخليل
23.12°غزة
18.39° القدس
رام الله18.18°
الخليل17.36°
غزة23.12°
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
4.12جنيه إسترليني
4.35دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.45يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.12
دينار أردني4.35
جنيه مصري0.05
يورو3.45
دولار أمريكي3.08

تقارير "فلسطين الآن"..

من خنادق غزة إلى كراسي الحكم.. آيزنكوت يتحدى نتنياهو

خاص-فلسطين الآن

بينما تقف دولة الاحتلال الإسرائيلي عند أدق منعطف سياسي وعسكري في تاريخها، يبرز اسم رئيس الأركان الأسبق والوزير المستقيل من "كابينيت الحرب"، غادي آيزنكوت، كأحد أكثر الخيارات إثارة للجدل والنقاش داخل أروقة الوعي السياسي الصهيوني. لم يكن عبور آيزنكوت من خنادق العسكرية إلى دهاليز السياسة مجرد تبديل في الأدوار؛ بل يمثل محاولة لإعادة إنتاج "الجنرال المنقذ" الذي تبحث عنه النخب الإسرائيلية المأزومة لإزاحة بنيامين نتنياهو، وبصفته أحد أبرز قادة المنظومة العسكرية الذين ساهموا في صياغة العقائد التدميرية للاحتلال، يتحرك اليوم في الفضاء العام مستنداً إلى رصيد دموي طويل، محاولاً تقديم نفسه كبديل عقلاني قادر على انتشال "الدولة" من مستنقع الفشل الاستراتيجي الذي تعيشه.

إن بزوغ نجم آيزنكوت كمتحدّ رئيسي في المعادلة الحزبية الراهنة لا ينفصل عن إرثه العسكري القائم على الترويع والبطش الإستراتيجي، وهو ما تجسد تاريخياً في صياغته لـ "عقيدة الضاحية" عام 2008، هذه العقيدة التي شرعنت الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة النارية، وتحويل الحواضن المدنية إلى ركام لتحقيق الردع، هي ذاتها العقيدة التي شكلت الدعامة الفكرية والعملياتية لجرائم الإبادة الجماعية والمجازر المستمرة التي ينفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة.

ومن هذا المنطلق، فإن دخوله معترك التنافس على السلطة ليس انقلاباً على منظومة التفكير العسكري الصهيوني، بل هو محاولة لترجمة هذه الفظائع إلى مكاسب سياسية، متسلحاً برؤية ترى في القوة العارية وسيلة وحيدة لتثبيت بقاء الكيان.

في المقابل، يتأبط آيزنكوت عداءً مستحكماً وطويلاً مع بنيامين نتنياهو، تغذيه قناعة راسخة لدى جنرالات "المنظومة الأمنية" بأن القيادة السياسية الحالية تضحي بالمصالح الإستراتيجية العليا للاحتلال من أجل الحفاظ على المكتسبات الشخصية والائتلافية الضيقة للـ "بيبيزم"، فلقد تعمقت هذه الفجوة إبان مشاركة آيزنكوت في حكومة الطوارئ وحرب غزة، حيث عاين عن قرب كيف يعطل نتنياهو قرارات "اليوم التالي" للحرب، ويماطل في إبرام صفقات التبادل، مما قاده في النهاية إلى الاستقالة والتحول إلى رأس حربة في معسكر المعارضة.

وبناءً على ذلك، يسعى آيزنكوت اليوم لجمع شتات القوى الوسطية واليمينية الليبرالية، مقدماً نفسه كشخصية إجماع قادرة على صياغة تحالف عريض يطيح باليمين الفاشي المستأثر بالقرار.

وتأتي هذه الاندفاعة السياسية لآيزنكوت لتضع المجتمع الصهيوني أمام مرآة خياراته الداخلية؛ فبينما يرى فيه أنصاره تجسيداً لقيم "الإسرائيلي القديم" الصارم والمستقيم القادم من صلب المؤسسة العسكرية لإعادة الهيبة المفقودة، تراه قوى اليمين المتطرف امتداداً للنخبة الأمنية "الفاشلة" التي تتحمل مسؤولية الإخفاق الإستراتيجي في السابع من أكتوبر.

ومن شأن هذا التموضع أن يجعل من معركة إسقاط نتنياهو وتشكيل حكومة جديدة برئاسته أو برأس حربة عسكري آخر، تحدياً إستراتيجياً معقداً، يتداخل فيه هاجس الأمن الوجودي بصراع الهويات والامتيازات السياسية داخل دولة الاحتلال، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة من تآكل التماسك الداخلي الإسرائيلي.

"عقيدة الضاحية"..

لا يمكن فهم الطموح السياسي لغادي آيزنكوت بمعزل عن عقيدته العسكرية التي ارتبطت باسمه؛ فـ "عقيدة الضاحية" ليست مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هي فلسفة قتالية صهيونية تقوم على نسف مبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين، واعتبار القرى والمدن المعادية "قواعد عسكرية" يجب تدميرها بالكامل بالاعتماد على القوة النارية الكثيفة والمفرطة.

عندما نقل جيش الاحتلال هذه العقيدة من جنوب لبنان إلى قطاع غزة، كانت البصمات الفكرية لآيزنكوت حاضرة في كل مربع سكني يسوى بالأرض، وفي كل مستشفى ومدرسة تم استهدافها سياقاً لفرض "كي الوعي" الفلسطيني.

إن المفارقة الكامنة هنا هي أن آيزنكوت، الذي يطرح نفسه اليوم كمنقذ أخلاقي وسياسي لمجتمع الاحتلال، هو أحد الآباء الشرعيين لسياسة الأرض المحروقة، مما يؤكد أن الخلاف الصهيوني الداخلي ليس على دموية السياسات تجاه الفلسطينيين، بل على كفاءة إدارتها وتحويلها إلى انتصار سياسي ملموس.

جذور الخلاف مع نتنياهو..

ويمثل آيزنكوت التيار الإستراتيجي التقليدي داخل "المنظومة الأمنية" الإسرائيلية (الجيش والشاباك والموساد)، وهو التيار الذي يرى في العسكرية أداة لتحقيق أهداف سياسية محددة وضمن تحالفات دولية وثيقة، وعلى رأسها العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ومن هنا ينبع صدامه الجذري مع بنيامين نتنياهو؛ حيث يرى آيزنكوت أن نتنياهو يدير الحرب والحكم بناءً على حسابات بقائه الشخصي والسياسي وتجنب المحاكمة، متجاهلاً التحذيرات الأمنية ومضحياً بفرص التطبيع الإقليمي واستقرار الجبهات الإستراتيجية.

ولقد بدا واضحاً خلال الحرب على غزة أن آيزنكوت، ورفيقه في المسار بيني غانتس، ضاقا ذرعاً برفض نتنياهو تحديد "هدف سياسي نهائي" للعمليات العسكرية، والهروب المستمر نحو "النصر المطلق" الوهمي، مما حول الإنجازات التكتيكية المفترضة للجيش إلى استنزاف مستمر بلا أفق، وهو ما دفعهما لإعلان القطيعة والسعي لإسقاط الحكومة من داخل الشارع والبرلمان.

ديناميكيات التحالفات وفرص تشكيل حكومة جديدة..

ويسعى غادي آيزنكوت إلى صياغة معادلة سياسية تتجاوز الانقسامات التقليدية بين يمين ويسار، من خلال بناء كتلة "وسط-يمين" عريضة تعتمد على استقطاب الأصوات الصهيونية الخائبة من أداء الائتلاف الحكومي الحالي.

تكمن نقاط قوته في:

نظافة اليد الائتمانية: بالمقارنة مع ملفات الفساد التي تلاحق نتنياهو.

القبول في الأوساط النخبوية والاقتصادية: التي ضاقت ذرعاً بسياسات اليمين المتطرف.

الغطاء العسكري: الذي يمنحه حصانة ضد اتهامات اليمين بـ "الضعف" أو "التفريط بالأمن".

ومع ذلك، تواجه هذه المساعي عقبات بنيوية؛ فالخارطة السياسية الإسرائيلية انزاحت بشكل حاد ونحو التطرف اليمني، وجمهور اليمين الاستيطاني يرى في جنرالات الجيش الأسبق جزءاً من "المؤسسة القديمة" التي يجب تفكيكها، مما يجعل مهمة آيزنكوت في إقناع الشارع اليمني بجدواه مهمة بالغة التعقيد، لاسيما في ظل قدرة نتنياهو العالية على المناورة الإعلامية وشيطنة خصومه.

آفاق المستقبل وانعكاسات الحراك على الكيان..

إن دخول آيزنكوت بقوة إلى السباق السياسي يشي بأن دولة الاحتلال مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار السياسي المزمن، حيث لن تنتهي الأزمة بمجرد الدعوة إلى انتخابات مبكرة.

إذا نجح آيزنكوت وتحالفه في الإطاحة بنتنياهو، فإن الحكومة القادمة لن تكون حكومة "سلام" أو "انكفاء"، بل ستكون حكومة "إدارة عقلانية للصراع"؛ حكومة تطبق ذات الإستراتيجيات العدوانية لكن بتنسيق أعلى مع واشنطن وبكفاءة عملياتية أكبر، مع التركيز على ترميم الردع المتآكل وإعادة بناء الاقتصاد المنهك جراء الحرب.

أما إذا فشل في مسعاه، فإن ذلك سيعني تكريس سيطرة اليمين الفاشي الاستيطاني، وتسريع وتيرة تصدع الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتعميق العزلة الدولية للكيان، مما يضع مشروع الاحتلال برُمّته أمام معضلات وجودية غير مسبوقة.

المصدر: فلسطين الآن