تعاني الجمعيات الخيرية المتعددة أزمة حادة أثرت على خدماتها التي دأبت على تقديمها لأصحاب الحاجات لسنوات طويلة، معاناة يطوقها الحصار الإسرائيلي الخانق على قطاع غزة وأهله منذ أكثر من عشر سنوات؛ ليحرم آلاف الأيتام وآلاف المحتاجين في ظل الظروف الحياتية الصعبة وشح فرص العمل التي تلبي لقمة العيش.
ويمثل إغلاق الحسابات البنكية الخاصة بجمعيات العمل الخيري والإنساني من قبل سلطة النقد الفلسطينية من أهم وأكبر الأسباب في الأزمة التي تعيشها هذه الجمعيات، مما أثر على طبيعة عملها الخيري، وشلّ بشكل شبه الكامل الخدمات التي كانت تؤديها لهؤلاء المحتاجين، فلا تكاد تؤدي منها الحد الأدنى أو الجزء اليسير.
وخلال لقاء "فلسطين الآن" مع رئيس الجمعية الإسلامية برفح ناصر برهوم أحد رواد العمل الخيري في قطاع غزة، وضح خلال حديثه الأسباب للأزمة الحادة التي تمر بها الجمعيات الخيرية، وتراجع خدماتها، وحال مدينة رفح جنوب قطاع غزة في ظل هذه الأزمة.
إغلاق حسابات
وعدّ برهوم أن الحصار المستمر على قطاع غزة منذ أكثر من عشر سنوات أثّر على كل نواحي الحياة، وطال بشكل مباشر المساعدات للفئات الفقيرة عبر العمل الخيري الخاص بالجمعيات الإسلامية، مؤكدًا أن تأثير الحصار على الجمعيات تمثل في إغلاق سلطة النقد الفلسطينية حسابات الجمعيات الخيرية الإسلامية.
وشدد على أن إغلاق الحسابات من قبل سلطة النقد أكبر أزمة أعاقت العمل الخيري، وقال: "لأن ذلك أثر على طبيعة التواصل مع الجهات المانحة، فعندما تعمل سلطة النقد التي تعيش في كنفها على غلق حسابات الجمعية فأنت تصبح في نطر الجهات المانحة مؤسسة غير قانونية وخارجة عن القانون، أو يسمونها كما يعبرون مؤسسة تدعم الإرهاب".
وأضاف: "هذا أكبر أزمة تسببت لنا فيما بعد، مما أثر على قطع الجهات المانحة تواصلها معنا بعد أن كونا معها علاقات منذ 20 عامًا، علاقات قائمة على الشفافية والمهنية والمصداقية والعمل المؤسسي المنظم، لدعم أهالي قطاع غزة وصموده، وهذا كله تبخر بجرة قلم من سلطة النقد الفلسطينية".
وأشار برهوم أنه عند التواصل مع الجهات المانحة تطلب أرقام حسابات بنكية فلا تجد مما أدى إلى قطع شبه الكامل معها، لافتًا "أن هذا القطع عطل كفالات أيتام كان عمرها 30 عامًا، وصل عددها قبل الحصار ما يزيد 40 ألف كفالة يتيم كانت تقدمها الجمعيات الخيرية وغالبيتها الآن انقطع".
وتابع في ذات السياق: "وأدى هذا القطع للكفالات إلى إرباك بين الجهات المانحة وبيننا كجمعيات من جهة وكذلك بين الجهات المانحة والأيتام من جهة أخرى"، منوهًا أن بعض الأيتام لهم قرابة 6 سنوات لم يتحصلوا على كفالاتهم، وذلك بسبب الحصار وقرار سلطة النقد بإغلاق الحسابات البنكية للجمعيات.
وأكد برهوم تواصله مع رئيس سلطة النقد مباشرة لأكثر من مرة وعبر وسطاء لحل أزمة الحسابات؛ ولكن كان الرد واضح أن القرار سياسي وليس بيد رئيس سلطة النقد، ضمن الأزمات التي تعيشها ملفات غزة، معربًا عن أسفه بإقحام العمل الإنساني الخيري في الخلاف السياسي.
وقال: "توجهنا لهم بهذا الحديث بأن يرسلوا لنا مراقبين ونحن جاهزون لأي مساءلات قانونية ولكن القضية سياسية وليست مهنية".
تراجع في الخدمات
وأوضح برهوم أن كثيرًا من المشاريع والخدمات توقفت بسبب الأزمة التي تعيشها الجمعيات الخيرية، سواء كانت هذه الخدمات دائمة كبناء مساكن للمعوزين أو مشاريع خاصة بالمرضى الفقراء أو الطلبة الفقراء، أو المشاريع الموسمية في رمضان والأعياد والشتاء، منوهًا أن كل هذه المشاريع في تراجع حاد جدًا.
وذكر برهوم من جملة أسباب التراجع الثورات المضادة للربيع العربي، حيث أصبحت الدول تتعامل مع الجهات المانحة بشيء من الريبة فتشدد عليها، مضيفًا أن كميات ما يرد من الجهات المانحة تراجع بسبب تعدد الساحات والمناطق العربية التي تعاني خصوصًا معاناة السوريين.
ونوه إلى أن المؤسسات التي ترعاها هذه الجمعيات كالمؤسسات الطبية والتعليمية والاجتماعية تراجعت خدماتها وتؤديها بالحد الأدنى، عدا عن تأثر بنيتها التحتية وتراجع تطويرها، مضيفًا أن رواتب موظفي هذه الجمعيات والمدارس والمستشفيات والمراكز لا تصرف بانتظام.
وأشار أن حوالي 4 آلاف كفالة يتيم في مدينة رفح توقفت بشكل شبه الكامل، وأصبح هؤلاء الأيتام بدون معيل، وقال: "وهذه مصيبة كبيرة في طل تراجع الشئون الاجتماعية والعمل الخير"، وأضاف أن برنامجًا للرعاية الشاملة للأيتام برفح توقف منذ ثلاث سنوات بسبب الأزمة، وكان البرنامج يقدم الخدمات النفسية والتعليمية والاجتماعية لليتيم وأو اليتيم وكذلك للأرامل وأبنائهن.
وتابع بقوله: "عندنا آلاف المرضى الفقراء وآلاف الطلاب الفقراء وآلاف العائلات الفقيرة، كل المساعدات التي نقدمها لهم توقفت، وكل يوم يطرق باب الجمعية حالات يبكي الإنسان لها، وأحيانا يضطر بعض الموظفين أن يعطي من جيبه".
وختم بقوله: "نتوجه إلى الله دائما، وإن كان هناك أناس عندها قلوب رحيمة ونوع من الإنسانية أن يعملوا على التدخل العاجل لإنهاء معاناة غزة بشكل عام من مياه وكهرباء ومعابر، وعلى رأس هذه الاهتمامات والأولويات إعادة تفعيل الحسابات البنكية للجمعيات الخيرية وتسهيل عملها الإنساني".
