19.45°القدس
19.21°رام الله
18.3°الخليل
21.48°غزة
19.45° القدس
رام الله19.21°
الخليل18.3°
غزة21.48°
الأربعاء 13 مايو 2026
3.94جنيه إسترليني
4.11دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.91دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.94
دينار أردني4.11
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.91

تقارير "فلسطين الآن"..

للعام الثالث على التوالي.. الاحتلال يطفئ منارة الشوق لبيت الله الحرام في قلوب الغزيين

خاص-فلسطين الآن

يجلس الستيني أبو محمد السيد داخل خيمته المهترئة في مخيم النصيرات، محاطاً بأمل كبله النزوح القسري من شمال قطاع غزة، تتقاذفه هموم حرب الإبادة الجماعية وجرح الحرمان المتجدد من أداء فريضة الحج إلى المملكة العربية السعودية. كانت عين تترقب هدير الطائرات التي تقلع بالحجاج، وعين أخرى تبكي حُلماً تبخر عند بوابات معبر رفح المغلق.

منذ ثلاثة أعوام، يلوذ أبو محمد بالصبر والصلوات، منتظراً انفراجة تفتح له باب السفر نحو المشاعر المقدسة. لقد كانت قوافل الغزيين تملأ الدنيا تلبية وتكبيراً، واليوم تبدلت التلبية بآهات الفقد والحصار المرير، الذي لا يسمح للمواطنين بالعبور إلا بأعداد ضئيلة لا تتجاوز الخمسين شخصاً يومياً، وجميعهم من الحالات المرضية الحرجة.

لم تكن جدران الخيمة لتمنع أبا محمد من تذكر تفاصيل رحلته التي خطط لها طويلاً، ووفر من قوت عياله ليبلغ عتبات بيت الله الحرام وصعيد عرفات. يعتصر قلبه ألماً وهو يرى بقية حجاج العالم يستعدون للموسم الإيماني، بينما ينحصر واقعه بين البحث عن شربة ماء نظيفة والخوف من غارة إسرائيلية غادرة تنسف ما تبقى من آمال.

يشتاق هذا المسن النازح الذي قابل مراسل "فلسطين الآن"، لزيارة المسجد الحرام، ومسجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والوقوف باحترام وشوق أمام قبر الرسول الأكرم ليبلغه سلام أرض الرباط وسكانها المكلومين. يرى أن حرمان الاحتلال المتواصل لهم لا يمثل استهدافاً لحقهم في التنقل فحسب، بل يمتد ليكون حرباً مباشرة على مشاعرهم الدينية وعقيدتهم الإسلامية.

يمسح أبو محمد دموعاً انحدرت على لحية خطّها الشيب، متسائلاً بمرارة عن ذنب آلاف الغزيين الذين تموت أجسادهم في الخيام قبل أن تحلق أرواحهم في رحاب مكة والمدينة. تنقضي الأيام، ويبقى الحلم معلقاً بين ثنايا السماء، بانتظار موسم يأتي بالخلاص ويكسر طوق الظلم الذي ضربه الاحتلال حول قطاع غزة.

أمل واهن..

وفي زاوية أخرى من الألم، داخل منزل متهالك كادت جدرانه المتصدعة أن تنهار بفعل القصف المستمر في مخيم البريج، يجلس حاج مسن متمسكاً بأمل واهن لا يزال ينبض في صدره المثقل بالسنين. يحمل الرجل بين يديه المرتجفتين ثوب الإحرام الأبيض، يقلبه بعناية فائقة، وكأنه يلامس به أستار الكعبة الشريفة التي حرم من الوصول إليها بفعل الإغلاق والحصار.

كان هذا العجوز الذي قابله مراسل "فلسطين الآن"، يمني النفس بأن يكون العام الحالي عام اللقاء، يطوف حول البيت العتيق ويقبل الحجر الأسود، ثم يتوجه صوب المدينة المنورة ليقف بوقار وخشوع أمام قبر النبي محمد ومسجده الطاهر. أعد ملابس إحرامه بدقة واحتفظ بها في صندوق صغير نجا بأعجوبة من تحت ركام الأبنية المجاورة، لتبقى الشاهد الوحيد على حلم ديني وإنساني عطلته آلة الحرب الإسرائيلية.

تزداد غصة هذا السبعيني وهو يرى سنوات عمره تمضي سريعاً دون أن يتمكن من نيل هذه المكرمة، خصوصاً وأن التقدم في السن يضعف جسده يوماً بعد يوم، مما يقلل فرصه المستقبلية في تحمل مشاق السفر الطويل إن كُتب له الفرج. يرى في منعه المتكرر حرماناً تعسفياً يعمق جراحه النفسية، لاسيما وأن أشواقه لزيارة البقاع المقدسة تمثل الغاية الأسمى التي أراد ختام حياته بها.

يطوي الحاج المسن ملابس إحرامه البيضاء، مخبئاً إياها بين طيات ثيابه البالية، ومطلقاً زفرات حارة تفيض بالشكوى إلى الله من ظلم الاحتلال الذي يواصل عزل غزة عن العالم الخارجي وعن أقدس بقاع الأرض. يبقى هذا الثوب الأبيض رمزاً لانتظار مرير تعيشه آلاف القلوب المشتاقة في القطاع، وتذكيراً متجدداً بجريمة حرمان شعب كامل من حقه الأساسي في العبادة وأداء شعائره الإلهية.

خيبة أمل واسعة..

من جانبه، قال رئيس جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في قطاع غزة، عوض أبو مذكور، إن حرمان سكان القطاع من السفر لأداء فريضة الحج للعام الثالث توالياً يعود بشكل مباشر وجذري إلى استمرار سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المعابر، وتحديداً مواصلة إغلاق معبر رفح البري، موضحاً أن هذا الحصار المحكم يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية لكافة شعوب العالم.

وأكد أبو مذكور في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن مساعي واتصالات حثيثة بُذلت على مدار الأشهر الماضية مع الجهات الإقليمية والدولية ذات العلاقة، من أجل إيجاد آليات تضمن خروج وعودة الحجاج بأمن وسلام. وأشار إلى أن ضيق الوقت المحدد لإصدار تأشيرات الحج وفق البروتوكولات الرسمية المعمول بها، اصطدم بتعنت الاحتلال الإسرائيلي ورفضه القاطع لتقديم أي ضمانات تسمح بمرور الحجاج من داخل غزة.

ولفت رئيس الجمعية إلى أن آلاف المواطنين الذين سجلوا أسماءهم وسددوا الرسوم المطلوبة منذ العام 2023 جرى ترحيل فرصهم وحقوقهم بانتظار الانفراجة التي لم تأتِ. وذكر أن استمرار هذا الوضع الاستثنائي حرم القطاع بالكامل من حصته السنوية المعتادة، مما سبب خيبة أمل واسعة وأضراراً بالغة طالت المشهد الديني والاجتماعي والاقتصادي المرتبط بشركات الحج والعمرة المتوقفة عن العمل بشكل كامل.

وشدد أبو مذكور على أن الإجراءات الحالية المتبعة والتي اقتصرت على تسهيل سفر أعداد محدودة من المواطنين المتواجدين خارج قطاع غزة، لا تلبي أدنى تطلعات الأهالي المحاصرين في الداخل الذين يتعرضون لحرب إبادة متواصلة. ودعا المجتمع الدولي والمؤسسات الإسلامية إلى ممارسة ضغط حقيقي على سلطات الاحتلال لوقف تغولها على الحقوق الدينية للفلسطينيين، وفتح المعابر لتمكين المشتاقين من تلبية نداء الحج في الأعوام المقبلة.

المصدر: فلسطين الآن