بعد أن انتصفت الظهيرة، ودقت عقارب الساعة إعلانا للواحدة، كانت النصيرات تعج بالحياة على عادتها، محلات كبيرة، وباعة متجولون، وبسطات ملأت السوق الأكبر في المحافظة الوسطى، وسيارات امتلأ بها المكان، فهذه النصيرات التي عهدنا الحياة فيها حتى ما بعد منتصف الليل، كل ما تحتاجه، وكل ما تريد تجده في هذا المخيم الجميل المكتظ بالسكان، والمفعم بالحيوية، والممتلئ بكل جميل، غير أن جمال المخيم وروعة أهله وجميل صنيعهم كان على موعد مع اختبارٍ صعب، ومع امتحانٍ أليم، فكل ما قرأت أصبح أثرا بعد عين.
كانت النصيرات قبل الواحدة عنوانا للحياة، وما بعد الواحدة والنصف أصبحت ممتلأة بالحزن والألم والوجع الذي خيم على جميع مناحي المخيم الحزين، فالحريق المأساوي، أو "الانفجار الكبير" الذي أحاط بسوق المخيم المركزي لم يمهل أحدا، ولم يسعف شيخا أو طفلا أو امرأة، ولم يكترث لجمال المخيم، ولم يلتفت لروعة أهلها، ولم ينظر لكبير ولا صغير، فالكل في النار سواء.
حريق النصيرات الضخم أصاب قلوبنا بالوجع منذ لحظة وقوعه، وأصاب أفئدتنا بالألم منذ اندلاعها، وحرق ذكرياتنا بلمح البصر فما كان لم يعد سوى رماد، النار تلتهم كل شيء، والغاز تشتم رائحته لمئات الأمتار، والدخان الأسود الكثيف غطى سماء المخيم، الناس تتدافع وكأنه يوم الحشر، والكل حيرى لا حول لهم ولا قوة أمام جبروت المشهد، وقسوة الحال، وصعوبة الحدث.
كنت ممن وصل المكان في بدايته، كان الجرحى بأعدادٍ كبيرة، وكانت النار أتت على كل شيء، وكانت سيارة وحيدة للدفاع المدني أفرغت حمولتها وانسحبت لتملأ ما أطفأت به، غير أن النيرات ظلت تتمدد وتتزايد وتأتي على كل شيء لما يقارب الساعة، حيث انتشرت سيارات المطافي في كل مكان، وبدأت العملية الأصعب.
ساندت فرق الإطفاء سيارات توزيع المياه الخاصة، ونجحت فكرة استخدام "المشافاة" وملأ شاحنات الأسمنت بالمياه في السيطرة على الحريق بعد ساعات، حيث تدخلت 4 شاحنات "مشافات" وعدد كبير من شاحنات الأسمنت والجرافات وشاحنات الرمال، وسط عمل متواصل لطواقم الإسعاف في إخلاء المصابين والشهداء، كان الجميع يعمل كخلية نحل.
حتى أن عناصر القسام ساندوا الأجهزة الأمنية في إبعاد الناس عن مكان الحريق، برغم المأساة الكبيرة والمدمية والمحزنة إلا أن أهل النصيرات أثبتوا بتلاحمهم أنهم كالجسد الواحد، وجسدوا بجميل صنيعهم وروعة إخائهم عظيم التكاثف الاجتماعي المطلوب، فالكل على هدفٍ واحد، والكل يسعى للسيطرة على الحريق وإخماده.
مآذن مساجد المخيم صدحت بالدعاء ودعوة المواطنين بالابتعاد عن المكان، لكن كان الحدث الأقسى على اطفال المدارس، فمدرسة النصيرات الإبتدائية المشتركة لا تبعد سوى 200 متر عن موقع الحدث، ولا يفصل بينها وبين الحريق سوى بيارة زيتون.
كما أن عيادة الوكالة الرسمية ملاصقة للحريق بشكل كبير، حيث أخلت الوكالة العيادة والمدارس، وتسارع الأهالي لاستلام أبنائهم من المدارس، كنت من أوائل من دخل المدرسة، وجدت ابنتي الصغير تبكي وبنات عمها وخالتها، وأخبرتني أنها شاهدت النيران وهي ترتفع إلى السماء، كانت تعتقد أنه قصف إسرائيلي، وكانت تفكر بي وتعتقد أني موجود في المكان، كانت المدرسة تعج بالبكاء، وكان الجميع حريص على تهدئة الأطفال لكن كان الحدث أكبر من أي كلام ومقال.
كانت دعوات الناس بالسلامة التامة، تجولت في كل مكان تمكنت من الوصول إليه، وجدت الدكتور النائب عبد الرحمن الجمل على مقربة كبيرة من الحريق يتابع بنفسه تطورات الفاجعة، وما هي إلا لحظات حتى وصلت قيادة الأجهزة الأمنية، فالأمر خطير، ويحتاج إلى جهود الجميع.
كانت اللحظات الأقسى على الجميع هي لحظة إخراج الجثث من داخل المحلات التجارية بعد العصر، وكان الهم الأكبر للجميع البحث عن المفقودين وسط نيران مشتعلة تلتهم كل شيء، وكانت شركة الرزي للأخشاب لا تزال مشتعلة، أخرجت الطواقم الطبية الضحايا، ومع ساعات المساء تم السيطرة على الحريق بالكمال، والذي استمر لنحو الأربعة ساعات.
أعلنت الطواقم الطبية على استشهاد 10 مواطنين منهم 4 أطفال و3 سيدات، وإصابة 57 منهم 14 إصابة حرجة و8 خطيرة، يتلقون الرعاية اللازمة في مستشفيات قطاع غزة.
وزيادة في التكافل الاجتماعي، أعلنت وزارة الأوقاف والشئون الدينية تخصص يوم الجمعة لجمع المساعدات لصالح مخيم النصيرات من جميع مساجد قطاع غزة، كما قامت اللجنة الحكومية بعقد اجتماعها في مخيم النصيرات، للوقوف على آخر التطورات، ومتابعة الحدث أولا بأول.
حل المساء حزينا على مخيم النصيرات، وأسدل النهار نوره خجلا من حجم الكارثة، وانغمرت الدموع بلا توقف، فهذا المخيم كان يعج بالحياة واليوم رائحة الموت في كل مكان، فهذا المخيم كان أيقونة المحافظة الوسطى واليوم يكسوه الحزن والألم من كل مكان، كانت النصيرات مركزا تجاريا وحضاريا واجتماعيا، وستبقى كما كانت، كانت النصيرات مصدر رزق لكل طالب رزق وستبقى، كانت المكان الذي لا ينطفئ نورها وستبقى، كانت جميلة بأهلها وربعها وستبقى..
تاهت الكلمات، وارتجفت الشفتان، وضاعت العبارات بين يدي فاجعة النصيرات، ولم يبقى لنا سوى الترحم على شهداء النصيرات، والدعاء للجرحى بالشفاء العاجل، والعوض الجميل لكل متضرر من هذا الحادث الأليم.
