حسنا، لا بد أنك تسأل، من حين لآخر، عن السبب في أننا لم نتمكّن بعد من القضاء على السرطان، لماذا نتقدم ببطء شديد في مواجهة هذا الوحش الذي لا يزداد إلا تفشيا بين بني البشر؟ على سبيل المثال حصل كلٌّ من جيمس أليسون وتسوكو هونجو على جائزة نوبل في الطب للعام الفائت عن ابتكارهما لعلاجات مناعية للسرطان، لكن نسبة نجاح هذه العلاجات هي نحو 40% فقط!
الإجابة عن هذا السؤال تكمن بالأساس فيما يعنيه مصطلح "سرطان". بالطبع نعرف أن الجذر الرئيس للعمليات السرطانية هو تعطل آلية "موت الخلية المبرمج" عن العمل، فتبدأ الخلايا بالنمو في صورة مطّردة ولا تمنع نفسها من ذلك، لكن المشكلة التي لا يفهمها الكثيرون هي أن السرطان يتطور بصور مختلفة في النسيج نفسه وفي الأنسجة المختلفة، ما يجعل كل نوع من أنواعه مرضا بعينه.
بالتالي فالسرطان هو تعريف لمجموعة كاملة من الأمراض تتفرع وتتعقد وتتطور بشدة، من جهة أخرى فإن كل نوع من أنواع السرطان هو أشبه ما يكون بحالة خاصة، وكلما تطور الورم السرطاني أكثر فأكثر تحدث تغيرات جديدة تختلف من حالة لأخرى، لهذا السبب قد تجد أن علاجا واحدا قد لا يستطيع علاج كل الحالات، فالورم الخاص بكلٍّ منها يختلف بصورة ما عن الآخر. هنا يظهر فرع جديد لافت جدا للانتباه يحاول تبسيط كل ذلك التعقيد وربطه ببعضه بعضا، إنه علم الأورام الرياضي (Mathematical Oncology).
بدأ الأمر في الستينيات(1) من القرن الفائت حينما استُخدمت النماذج الرياضية للتنبؤ بمعايير الخطورة الخاصة بالإصابة بالسرطان. على سبيل المثال، يمكن لمعايير مثل الفئة العمرية وبعض السلوكيات مثل التدخين والعامل الوراثي أن تتنبأ بمعدلات إصابة مرتفعة بسرطان الرئة، بُنيت هذه النماذج على توقعات عن طبيعة نمو الخلايا السرطانية بنماذج بسيطة تبدأ من خلية واحدة.
لكن لفهم مدى عمق الحاجة إلى الرياضيات في دراسة السرطان المعاصرة يمكن أن نبدأ من مثال بسيط: لدينا تجمّعان بريّان، تجمُّع للأُسود وآخر للجاموس، هناك علاقة بينهما تعتمد على استهلاك الأول للثاني، الأُسود مثلا ذات أعداد قليلة جدا، والجاموس البري ذو أعداد كبيرة، يتيح ذلك للأُسود فرصة لغذاء أفضل وأسهل، وبالتالي التكاثر، ومع تزايد أعداد الأُسود تقل أعداد الجاموس، ثم يحدث العكس مرة أخرى فتقل الأُسود بسبب نقص الموارد، وفي المقابل يزداد عدد الجاموس من جديد، وهكذا. أضف إلى ذلك أنه مع الزمن يطور كلٌّ من التجمعين أدوات لحماية مصالحه، وتتغير تلك العلاقة بتغير البيئة كذلك، فقد تعطي أيًّا منهما أولوية على الآخر، على سبيل المثال قد يصبح الأسد أسرع أو قد تصبح الجواميس أكثر قدرة على التخفّي، في بيولوجيا التجمعات الحيوية هناك معادلات رياضية تدرس هذه العلاقة بدقة "معادلة لوتكا فولتيرا" (Lotka–Volterra equations).
الآن دعنا نتأمل العلاقة بين الجهاز المناعي والسرطان من هذه الوجهة "تسمى الوجهة البيئية للسرطان" (ecological view of cancer)، بحسب إيرينا كاريفا في كتابها(2) "فهم السرطان من وجهة نظر علم المنظومات الحيوية"، فالأول يطارد الآخر بقوانين شبيهة، ويمكن لنا إيجاد علاج أفضل لبعض الأنواع من السرطانات عن طريق فهم طبيعة التنافس بين كلٍّ منهما على الغذاء المتاح، ويشير جانب واسع من الأبحاث إلى أن العمل على بيئة السرطان، وليس السرطان نفسه، قد يكون فرصة جيدة للتخلص منه.
كتاب "فهم السرطان من وجهة نظر علم المنظومات الحيوية"
يمد فريق بحثي من جامعة كورنيل(3) الخطوط على استقامتها لفهم طبيعة التنافس بين الخلايا السرطانية ذاتها على الغذاء، حدث ذلك عن طريق تطبيق الفريق لآليات رياضية من "نظرية اللعبة" (Game Theory)، قام الفريق بدراسة التنافس بين ثلاثة أنواع من خلايا سرطان الرئة ليجدوا أن اختيارات كلٍّ منهم تعتمد على الآخر حينما يتعلق الأمر باستخدام الأكسجين.
يشبه ذلك أن تُعلن عن لعبة "حجر، ورقة، مقص" بين مليون شخص على الإنترنت، في الجولة الأولى يميل جانب أكبر من المشاركين -على سبيل المثال- إلى اختيار الحجر، في المقابل سيميل الجانب الآخر إلى اختيار الورق الذي يمكنه هزيمة الحجر، في الجولة الثانية سيميل عدد أكبر من المشاركين إلى اختيار المقص لهزيمة الورق السابق، لكن ذلك سيُعيدنا من جديد لاختيار الحجر -في الجولة الثالثة- لأنه يهزم المقص.
بحسب الدراسة، فإن هذه الأنواع الثلاثة من الخلايا السرطانية تستخدم آلية شبيهة في التعامل مع الأكسجين، ويمكن عبر فهم هذه الدورات من القرارات، بالنسبة للخلايا السرطانية، أن يُطوِّر الباحثون نظما علاجية غير كثيفة تستهدف المجموعة الرابحة في اللعبة التنافسية الحالية، ثم تستهدف المجموعة التالية في وقت لاحق، وبالتالي سيُخفِّف ذلك من أثر العلاج الكيميائي على المريض لأننا سنكون أكثر تحديدا ولن نعطي كل الأدوية -لكل أنواع الخلايا- دفعة واحدة.
