تحت سقف خيمة تهزها ريح الشتاء في قطاع غزة، لا يجلس الحاج السبعيني محمد زملط لانتظار المساعدات فحسب، بل يجلس ليمارس طقساً من نوع خاص؛ طقس الاستحضار. في يده ريشة متآكلة، وأمامه بضع أوراق استقرضها من أحفاده الجوعى، وفي قلبه ثقب بحجم "الخليل" و"غزة" معاً.
لم تكن الفنون يوماً مجرد هواية لمحمد، لكنها اليوم باتت "أداة نجاة". قبل أشهر، كانت جدران منزله في شمال غزة تضج بصور أبنائه، واليوم، لم تبقَ جدران ولم يبقَ أبناء. استشهد فلذات كبده في قصف استهدف حيهم، ولم يتركوا له سوى طيف يطارده كلما أغمض عينيه.
في خيمته الضيقة، يوثق زملط مأساة النزوح. لا يرسم الطبيعة الصامتة، بل يرسم "الحياة الصامتة" قسراً. لوحاته تجسد طوابير المياه، ووجوه الأمهات المتعبة، وسحابة الدخان التي باتت جزءاً من أفق غزة اليومي.
يرى زملط أن توثيقه للدمار بالريشة لا يقل أهمية عن التوثيق بالكاميرا. فالريشة، بحسب وصفه، تنقل "إحساس الجوع والبرد"، لا شكل الجوع والبرد فقط. لوحته الأخيرة كانت لمسنّة تمسك بطرف ثوبها وتسير بين الأنقاض، تشبه إلى حد كبير حاله وهو يتنقل من نزوح إلى آخر.
وفي التقرير التالي نرصد لكم جزء من حياة المسن محمد زملط مع الرسم في خيمته المتواضعة ..
