في قلب الحياة اليومية في الضفة الغربية، يواجه الشباب واقعًا متشابكًا يثقل كاهل طموحاتهم ويعيد تشكيل أحلامهم. لم تعد تطلعاتهم نحو المستقبل مجرد مشاريع قابلة للتنفيذ، بل تحولت إلى اختبارات مستمرة للصمود في ظل تضييق أمني تمارسه الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب أزمات اقتصادية متلاحقة. وباتت الأحلام تُقاس بمدى قدرة أصحابها على الاستمرار، رغم العراقيل التي قد تعترض طريقها قبل أن ترى النور.
"كل خطوة محسوبة علينا"
يقول أحمد (27 عامًا)، وهو شاب من شمال الضفة حاول إطلاق مشروع صغير في مجال التكنولوجيا: "لم يكن أصعب ما واجهته هو التمويل، بل الخوف الدائم من إغلاق المشروع أو ملاحقته. كل خطوة محسوبة علينا، وكل نشاط قد يُفسَّر بشكل مختلف."
ويروي أحمد كيف اضطر إلى إيقاف مشروعه بعد أشهر قليلة من انطلاقه، نتيجة استدعاءات متكررة وضغوط غير مباشرة جعلته يشعر أن الاستمرار قد يكلّفه أكثر مما يحتمل، ويختم قائلاً: "كان حلمي أن أخلق فرصة عمل لي ولغيري، لكن الواقع دفعني للتراجع."
مشاريع تولد تحت الضغط
ليست قصة أحمد استثناءً، فبحسب شهادات عدة شبان، فإن كثيرًا من المبادرات الشبابية، خاصة تلك التي تحمل طابعًا مجتمعيًا أو إنسانيًا، تواجه تحديات تتجاوز الإمكانيات المادية.
سارة (24 عامًا)، ناشطة شبابية، تتحدث عن تجربة مؤسسة كانت ضمن فريقها: "بدأنا بحماس كبير، أردنا تمكين الشباب وتطوير مهاراتهم، لكننا واجهنا عراقيل إدارية وأمنية. تم استدعاء بعض أعضاء الفريق، وتعرضنا لضغوط أدت في النهاية إلى تجميد عمل المؤسسة."
وتضيف لـ"قدس برس": "المشكلة ليست فقط في إغلاق المشاريع، بل في الأثر النفسي. عندما ترى جهدك ينهار، تبدأ بالتفكير ألف مرة قبل أن تحاول من جديد."
في مدينة أخرى، يصف محمد (30 عامًا) حالته قائلاً: "أملك فكرة مشروع منذ سنوات، لكنني لم أجرؤ على تنفيذها؛ ليس بسبب الخوف من الفشل، بل بسبب الخوف من الملاحقة الأمنية. وذنبي الوحيد أنني متدين، رغم أنه لا يوجد لدي أي توجه سياسي. أشعر أحيانًا أن الحلم نفسه أصبح مخاطرة."
هذا الشعور يتكرر لدى عدد كبير من الشباب، حيث يتحول الطموح إلى عبء نفسي، ويصبح التفكير بالمستقبل محفوفًا بالحذر. بعضهم يختار الهجرة إن استطاع، وآخرون يفضلون البقاء في دائرة الأمان، حتى لو كان ذلك على حساب طموحاتهم.
مؤسسات بين الدعم والتقييد
من جهة أخرى، تشير بعض المؤسسات المحلية إلى أنها تعمل في بيئة معقدة تفرض عليها قيودًا متعددة. يقول أحد العاملين في مؤسسة أهلية (فضل عدم ذكر اسمه): "نحاول دعم الشباب، لكننا نواجه تحديات كبيرة، سواء في الإجراءات أو طبيعة العمل الميداني. أحيانًا نضطر إلى تقليص برامجنا أو تعديلها لتجنب أي إشكاليات."
ويضيف: "الخاسر الأكبر هو الشباب، لأنهم بحاجة إلى مساحات آمنة للتعبير والعمل، وهذه المساحات تضيق يومًا بعد يوم."
ويقول أحد القائمين على مؤسسة شبابية أُغلقت بعد فترة قصيرة من تأسيسها: "التزمنا بكل الإجراءات القانونية، وحصلنا على التراخيص اللازمة، وكان هدفنا واضحًا وهو خدمة الشباب. لكن بمجرد أن بدأنا بتلقي دعم من جهة خارجية، تغيرت نظرة البعض إلينا، وبدأت الضغوط تتصاعد حتى اضطررنا لإيقاف العمل."
وتضيف ناشطة عملت في مؤسسة أخرى تعرضت للتجميد: "كنا نعمل بشفافية، وكل مصادر التمويل كانت معلنة، لكن ذلك لم يمنع من التشكيك بنا. الإغلاق لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان صدمة لفريق كامل آمن بالفكرة وعمل عليها لسنوات."
وتابعت: "هذا الواقع دفع العديد من المبادرات الناشئة إلى إعادة التفكير في آليات عملها، أو تجنب التوسع والظهور العلني، خشية التعرض للمصير ذاته."
رغم كل ذلك، لا يبدو أن الشباب الفلسطيني قد استسلم بالكامل. فالكثير منهم لا يزال يحاول، ولو بطرق بديلة أو ضمن نطاقات ضيقة. تقول إحدى الفتيات: "نحاول أن نخلق فرصًا صغيرة داخل المساحات المتاحة. ربما لم نعد نحلم كما كنا، لكننا لم نتوقف عن المحاولة."
أما أحمد، فيختم حديثه بنبرة تجمع بين الإحباط والأمل: "قد نؤجل أحلامنا، لكننا لا نلغيها. نحن فقط ننتظر الوقت الذي تصبح فيه ممكنة."
الاقتصاد تحت الضغط
لم تقتصر التحديات على العمل الأهلي والمبادرات المجتمعية، بل امتدت لتطال حتى المشاريع التجارية الصغيرة التي يسعى الشباب من خلالها إلى تأمين مصدر دخل مستقل.
يروي عدد من الشبان أن محاولاتهم لإطلاق أعمال خاصة لم تسلم من الضغوط والملاحقة، سواء عبر استدعاءات أو عراقيل إدارية مفاجئة تعيق سير العمل.
يقول أحدهم: "افتتحت مشروعًا بسيطًا لأعتمد على نفسي، لكنني وجدت نفسي أتعامل مع تعقيدات غير مبررة جعلت الاستمرار مرهقًا نفسيًا وماديًا."
ويضيف آخر: "حتى المشاريع التجارية لم تعد بعيدة عن القلق، هناك شعور دائم بأن أي نجاح قد يجلب معه تدقيقًا أو تضييقًا."
في الضفة الغربية، لا يعيش الشباب أزمة واحدة، بل شبكة متداخلة من التحديات التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم. وبين الحصار والملاحقة، تبقى الأحلام قائمة، لكنها مؤجلة… تنتظر بيئة أكثر استقرارًا تسمح لها بأن تتحقق.
